نظرات مشرقةيهمكم

من سجل الذاكرة : حينما زارني المكسيك عبر محاضرة “معالم العولمة”

بقلم عفاف عنيبة

في عام 2000، كنتُ أحضر محاضرة بعنوان “معالم العولمة”، تناولتُ فيها كيفية تأثير نظام العولمة في العالم المتقدّم و المتخلّف، و كيف تؤثر قيم العولمة في الشعوب و خصوصياتها الثقافية. و كان يتعيّن عليّ جمع مراجع كثيرة، و استخدام لغة بسيطة لشرح المصطلحات المعقدة.
كنت أقرأ كثيرًا، و حاولتُ عقد مقارنة بين نماذج تطبيق العولمة، و فجأة – و من دون سابق إنذار – جاءتني عبر حلمٍ رؤيةٌ كأنها دعوة لمراجعة تجارب دول أمريكا الوسطى و الجنوبية مع العولمة.
و بقيت في حالة حيرة: في ماذا تختلف دول أمريكا الوسطى و الجنوبية عن النموذج العولميّ الأمريكي المعمَّم ؟

و في لحظة ما قررت الاتصال بسفارة المكسيك في الجزائر. أجابتني دبلوماسية مكسيكية في القسم الاقتصادي، و دعتني إلى زيارتها، و وعدتني بتحضير مرجع مهمّ لمحاضرتي. لبّيتُ دعوتها و ذهبتُ إلى السفارة المكسيكية في الموعد المحدد، فاستقبلتني خير استقبال.
و عندما سألتها عن تفاعل بلدها مع العولمة، أجابتني قائلة:

“بيننا و بين أمريكا اتفاقية نافتا التي تربط كندا و المكسيك و الولايات المتحدة إقتصاديا. و نحن بطبيعة الحال أول المتأثرين بنظام العولمة، غير أنني أخبرك بأمر مهم: التعامل مع القوة الاقتصادية الأولى يفرض علينا اعتماد سياسة تحافظ على مكوّناتنا و خصوصيتنا الثقافية و الدينية، ضمن تصور شامل نريده نحن لشعب المكسيك. فنحن شعب مختلط الجذور، و ديننا الكاثوليكي حاضر، و طموحات شبابنا و طبقتنا المثقفة تتجه نحو عولمةٍ تحمل بصمات مكسيكية. و نعلم جيدًا التحدي الذي تمثّله لنا أمريكا في المجال الاقتصادي و الضغوط التي قد نتعرض لها نتيجة وتيرة التطور السريع هناك، غير أننا مصممون على وتيرة نموّ تناسبنا، و يكون التفاعل من الجهتين لا في اتجاه واحد.”

يشهد الله أنني سعدتُ كثيرًا بلقائها ؛ فقد وفّرت لي مادة ثرية بالمعلومات الاقتصادية و خارطة النمو في المكسيك. شكرتها جزيل الشكر، و أضافت و هي تودّعني: “نحن في الخدمة متى شئتِ، اتصلي بنا.”
و بفضل تلك الزيارة تمكنتُ من تقديم محاضرة “معالم العولمة”  و هي مادة تجاوزها الزمن اليوم بعد جائحة كوفيد-19 التي كشفت عدم جدوى الترابط العضوي بين اقتصاديات العالم، إذ باتت قدرة دولة على مواجهة وباءٍ ما مرهونةً بمخزون دواء يُنتَج في دولة أخرى، و لا سبيل للحصول عليه إلا بمفاوضات و تنافس شديد.
لقد رسّخت العولمة – في صورتها الراهنة – تبعيةَ الضعيف للأقوى، والأقل تقدّمًا للأكثر تطورًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى