
من سجلّ الذاكرة: والدتي – بارك الله لنا فيها – من المعلّمات الأوائل مباشرة بعد الاستقلال، درّست في المدرسة الجزائرية، و عند انتقالنا إلى إندونيسيا كان يتعيّن عليها مواصلة تجربة التعليم معي و مع إخوتي باعتبار أن البرنامج الجزائري غائب في المدرسة الإندونيسية.
فماذا فعلت أمّي لتُحبِّب إلينا فعل التعلّم؟
قرّرت في بيتنا الأول بجاكرتا تعليمَنا خارج الجدران، في الحديقة، على حافة بركة ماء فيها أسماك ملوّنة. و هكذا أصبحت الدروس حيّة و جميلة و مفيدة جدًّا. كنا نتعلم اللغة العربية بالنطق الصحيح لكل ما كان حولنا من عشب و أسماك و شجر الموز و عيدان الخيزران و الببغاوات. كان محتوى الدرس مبتكرًا ؛ إذ كانت تطبّق البرنامج الجزائري بطابعٍ إندونيسي، فلا نشعر بالملل إطلاقًا، و كنا نتبارى في المشاركة و نتنافس على كل نقطة نحصل عليها في السلوك أو في الفرض و الاختبار.
و كانت معلّمتنا – حفظها الله – تعوّل كثيرًا على المشاركة الشفوية لترى مدى استيعابنا للمواد المدرَّسة. و كان حوارٌ مثمر يدور بيننا و بينها، و كانت تأخذ بعين الاعتبار ملاحظاتنا و تهتم بأسئلتنا، فتجيبنا و تشجّعنا على مزيد من الأسئلة و على إعمال الفكر و تشغيل الذكاء.
سنوات إندونيسيا بقيت محفورة في ذواتنا و ذاكرتنا ؛ كانت ثرية في محتواها و شكلها، و الله يجزي والدتنا الكريمة كل خير.