
في بداية الخريف زرتُ صديقة مقرّبة عملت مطولًا خبيرةً سياسية لصالح جهة شديدة النفوذ. و خلال الحديث الذي دار بيننا، قالت فجأة، متحسّرة:
«لماذا وقع الربيع العربي الكارثي؟»
فأجبتها قائلة:
القمع على كل المستويات في دولنا، مهما طال، يؤدّي حتمًا إلى انفجار شعبي، و الدول العظمى تُحسن توظيف مثل هذه الانفجارات لصالح أجنداتها، كما حدث في ما سُمّي بالربيع البرتقالي في جورجيا و أوكرانيا. و هذا بالضبط ما وقع في تونس و مصر و سوريا و اليمن. فالقمع كانت عواقبه وخيمة على الجميع : على الفاسدين، و على ضحاياهم على حدّ سواء.
لكن ما هو أخطر، في نظري يا صديقتي العزيزة، أن دولة الجزائر — دولة العزّ و الكرامة — لم تقرأ الوضع العربي قراءةً جيّدة، و فوجئت بموجات الربيع المتتالية. و لم تُدرك، لا في عهد بوتفليقة و لا في عهد الرئيس تبون، خطورة المرحلة. فبدل أن تستدعي المختصّين لتقديم دراسات استشرافية مبكّرة لتفادي سيناريوهات مثل حراك 2019، تُركت الأمور على حالها، أي عاشت الدولة حالة غفلة غير مسموح بها.
أن يغفل الفرد، قد يُفهم ذلك، أمّا غفلة دولة بحجم الجزائر فلا تعني إلا أمرًا واحدًا: التآكل ثم الزوال. و لا يزال الوضع، للأسف، على ما هو عليه ؛ إذ يكتفي المسؤولون بتكرار النداءات إلى “الالتحام” و“الالتفاف حول القيادة”، لكن هذه — يا صديقتي — ردود فعل غير كافية. ما كان مطلوبًا هو التحرّك المبكّر، الواعي، و المدروس، بخطوات واضحة للتعامل مع الأوضاع قبل انفلاتها.
اليوم نحن في مأزق رهيب: محاطون من كل الجهات — باستثناء تونس، و نوعًا ما ليبيا — بأعداء، فضلًا عمّا يُخطَّط لنا من قِبل بني صهيون في تل أبيب. لقد فات الأوان لإصلاح الكثير من الأخطاء، و أصبح حالنا كحال مركبٍ مخترق، لا بدّ من سدّ ثقوبه بكل ما أوتينا من قوّة و ذكاء كي لا نغرق.
فالسياسة الحكيمة فنٌّ، و هي أيضًا علم السباحة وسط الألغام، و تفاديها و تجنّبها، و هذا — للأسف — ما لم نره من ساسة الجزائر، دولة العزّ و الكرامة.