
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر تلك «القرى التراثية» التي شيدناها مؤخراً. المشهد ساحر بلا شك. الجدران الطينية الملساء، الفوانيس المعلقة بدقة، و رائحة البخور التي تعبّق المكان المكيف. نلتقط الصور، و نشرب الشاي في أكواب «غضار»، و نشعر بزهوة الانتماء لهذا التاريخ العريق.
و لكن، مهلاً.. هل هذا هو «التاريخ» حقاً؟
إن ما نعيشه اليوم في علاقتنا مع الماضي يضعنا أمام سؤال عميق عن التراث بين الاستهلاك و الهوية؛ سؤال يكشف أن علاقتنا بالتراث أصبحت تشبه إلى حد كبير علاقتنا بـ «الأطعمة المعلبة». نأخذ منها ألذّ ما فيها، جاهزاً و نظيفاً، و نترك الباقي. لقد قمنا بـ «فلترة» الماضي ؛ أخذنا جمال العمارة و دفء المجالس، و تركنا خلف الكواليس الحَر القاتل، و الجوع الذي كان يقرص البطون، و تعب الغوص الذي أكل أجساد الأجداد، و قسوة الصحراء التي لا ترحم.
نحن اليوم نعيش حالة من «النوستالجيا السياحية». لقد حولنا كفاح آبائنا و أجدادنا إلى «ديكور» جميل، و إلى خلفية مثالية لصورنا في «إنستغرام». و هنا يتجلى الخلل في فهم التراث بين الاستهلاك و الهوية ؛ أصبح التراث «سلعة» نشتريها، مكاناً نزوره لنقضي وقتاً ممتعاً، ثم نعود لبيوتنا المكيفة و سياراتنا الفارهة دون أن نحمل معنا شيئاً من روح ذلك الزمن.
الخطر ليس في ترميم المباني، فحي على الفلاح من يحفظ ذاكرة المكان. الخطر الحقيقي هو أن نظن أن «التراث» هو الحجر، و ننسى «البشر».
التراث الحقيقي ليس في «البشت» الذي نلبسه في المناسبات فقط، و لا في «الدلّة» التي نضعها زينة في المجالس. التراث الحقيقي هو «القيم» التي جعلت أجدادنا يبنون هذه الحضارة من العدم، قبل أن يتفجر النفط تحت أقدامهم.
تراثنا الحقيقي هو «الصبر» الجميل على الشدائد، وهو «القناعة» التي تجعل التمرة والماء وليمة. هو «الفزعة» التي لا تنتظر مقابلاً، و»الستر» على الجار، و»الكلمة» التي كانت عقداً ملزماً دون أوراق ومحامين. هو ذلك « السنع» الذي يزين النفس.
هل نستطيع اليوم، ونحن في قمة حداثتنا، أن نعيد التوازن في معادلة التراث بين الاستهلاك والهوية؟ ونعيد هذه «القيم» لا «الأشكال» فقط؟
أن نكون «أصيلين» لا يعني أن نرفض التطور ونعود لبيوت الطين. بل يعني أن نعيش في أبراجنا الحديثة، ولكن بقلوب تحمل «سنع» الأولين. أن نربي أبناءنا على أن «المرجلة» ليست في السيارة الفارهة، ولا اعوجاج اللسان. بل في احترام الكبير وخدمة الضعيف، و»ذرابة» الكلمة، والعمل بجد واجتهاد.
إن التنمية الثقافية الحقيقية ليست أن نبني متحفاً يضم أدوات الغوص، بل أن نبني جيلاً يملك «عزيمة» الغواصين، جيلاً لا ينكسر أمام أول موجة تغيير، ولا يضيع هويته في زحام العولمة.
فلنحذر أن يتحول تاريخنا إلى مجرد «فلكلور» نتسلى به. تراثنا «روح» تسري فينا، وليس «ثوباً» نلبسه ثم نخلعه عند باب الخروج. لنعش تراثنا بأخلاقنا وسلوكنا اليومي، بدلاً من أن نكتفي بشرائه وتصويره.
الرابط : https://wefaqdev.net/art7374.html