تاريخسياسةنظرات مشرقةيهمكم

لا أثق في قراءة المنتصرين لحكم النازيين

بقلم عفاف عنيبة

جَرَى البارحة نقاش بيني و بين الذكاء الاصطناعي حول حقبة النازية، إذ دافع عن الرؤية الغربية للرايخ الثالث و اتهمه بارتكاب جرائم و سجلٍ غير مشرّف. و كانت ردّة فعلي على النحو الآتي، و لم أكملها لضيق الوقت، و ها أنذا أستكملها هنا:

أولًا: إنّ قراءة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية لحكم النازيين قراءة غير بريئة. و أنا لا أُبرِّئ تمامًا حكم هتلر، لكنني على قناعة بأنّ فترة حكمه لم تكن بتلك البشاعة التي صوّرها الغرب. فمحكمة نورمبرغ من صنع الحلفاء، و أرشيف الدولة النازية نُشر منه فقط ما يوافق رواية المنتصرين، بينما جُلّ الأرشيف محبوس في أقبية البنتاغون و غير متاح للرأي العام.

ثانيًا: كان توسيع نطاق الحرب إلى روسيا خطأً استراتيجيًا لهتلر، كما كان توسيع الحرب خارج أوروبا خطأً ارتكبه الجنرالات النازيون و على رأسهم الجنرال رومل.

ثالثًا: أمّا معسكرات الاعتقال من أوشفيتز إلى داخاو فكانت – في رأيي – معسكرات احتجاز، أي سجون تضم يهودًا و غير يهود. و عدد قتلى اليهود تثبته الجهة الصهيونية، بينما عدد قتلى الروس بلغ عشرين مليونًا، و لم تصدع موسكو رؤوس العالم بـ «الهولوكوست الروسي». و ما وقع في الرايخ الثالث لم يُتح لكبار المسؤولين النازيين تقييمه، فهم – في نظري – الأقدر على الحكم على أدائهم، لا المنتصرون.

و أضيف أنّ سجل هتلر لم يكن كله إخفاقات ؛ فقد نهض بألمانيا و أعاد لها قوتها الحضارية و عافيتها، و كسب المجتمع الألماني – بحسب رؤيتي – من خلال مناهج التعليم النازي مناعة أخلاقية لم تكن متوفرة لدى الحلفاء. و هناك الكثير مما يُقال عن الحقبة النازية، فموقف هتلر من اليهود – حسب رأيي – كانت له مبرراته، و لم يعزلهم عن المجتمع الألماني عبثًا، بل استند إلى حجج يراها منطقية في مواجهة النفوذ اليهودي داخل المجتمع الجرماني. أما ممارسات الغستابو، فهي – ككل أجهزة المخابرات في العالم – لها ما لها و عليها ما عليها، و لو قارنا سجل أمريكا و روسيا الستالينية و أداء الغرب في فلسطين المحتلة، لوجدنا أنّ حكم النازيين يبدو مختلفًا.

المصادر الموثوقة التي تحدّث عنها الذكاء الاصطناعي كحجّة إدانة ــ سواء كانت ألمانية نازية أو أرشيفًا للنازيين في الدول التي احتلوها ــ ليست، في نظري، أدلّة إدانة بالضرورة ؛ فمفهوم الجريمة ذاته لا ننظر إليه من الزاوية نفسها. لقد وثّقوا ما قاموا به، و هذا أمر طبيعي، و كانوا ينظرون إلى أعمالهم من باب الواجب المهني و الوطني. و أمّا القول إنّ إثبات جرائم قوةٍ معيّنة لا يلغي جرائم قوةٍ أخرى فهو صحيح، لكنه يصحّ في حالة واحدة، و هي أنّ الشعوب غير المعنية بالنازيين لا ترى بالعين نفسها ما تراه الشعوب التي احتُلّت منهم. و على كلّ حال، إن شاء الله تتاح لي فرصة لشرحٍ و عرضٍ أوسع لحقبة النازيين. و أمّا موقف هتلر من اليهود باعتبارهم عرقًا أدنى، فنحن المسلمين يحذّرنا ربّنا تعالى في القرآن الكريم من اليهود، و يعتبرهم من أشدّ أعدائه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى