
سأتعرّض إلى المسألة من جانبين: جانبٍ سياسي، و ثانٍ اقتصادي. ما لاحظته منذ أكثر من عشر سنوات، على المستوى السياسي، هو أنّ الغضب الشعبي في دول مثل تونس و مصر و اليمن و سوريا و ليبيا و السودان دفع الشعوبَ و النخبَ إلى الرغبة في التخلّص من شرَّي الفساد و الاستبداد، فوقعوا في ما هو أسوأ منهما. فكيف وصل بنا الأمر إلى هذا الحدّ ؟
لأنّ الذين عبّروا عن غضبهم فعلوا ذلك تعبيرًا عشوائيًا انفعاليًا غير مخطّط لمرحلة “ما بعد”، و لم يضعوا قيد التطبيق مشروعًا لجمع الكلمة، و توحيد الصف، و التوافق على حدٍّ أدنى من القواسم المشتركة. النتيجة: في تونس ملَّ الشعبُ ديمقراطيةَ الجماعات النافذة، و في مصر لم يُمهِلوا رئيسًا غامر بالترشّح في وقت غير مناسب، و جاء في سوريا إلى الحكم حملةُ سلاحٍ لا يعرفون الكثير عن الإدارة المدنية لشؤون بلدٍ مثل سوريا.
مشكلة مسلمي هذا الزمان أنّ الانقسام الحدودي زاد في التنافر بينهم، و أنّ التباعد الطبقي بين العوام و النخب، و تمذهبهم بإيديولوجياتٍ غريبةٍ عن الإسلام، قد قسّم أكثر مما أفاد.
هذا على المستوى السياسي. أمّا على المستوى الاقتصادي، فإنّ الأنظمة التي استعادت الحكم في ثوراتٍ مضادّة راهنت على المجال الاقتصادي لإسكات المحتجّين و الغاضبين. و للأسف لجأت إلى تنميةٍ اقتصادية وفق الأجندة الغربية التي لا تتناسب مع الخصوصية الجغرافية و التاريخية و الثقافية لدول العالم العربي الإسلامي. فلا أفهم، مثلًا، لماذا اللجوء إلى طاقة الهيدروجين المكلفة جدًا بدل اعتماد ثروةٍ طبيعيةٍ و طاقةٍ نظيفة مثل الطاقة الشمسية ؟ و لماذا اعتماد نهج “الشركات الصغرى” و هو نموذجٌ غربيٌّ بحت ؛ فما يصلح لهم لا يصلح لنا؟
و حتى فكرة المقاولاتية الاجتماعية التي تفرض على المرأة أن تكون عضوًا منتجًا في المجتمع، متجاهلةً دورها الحيوي و المصيري في الأسرة، و كيف أنّها فعلًا عضوٌ منتج بقيامها بدورها كأمٍّ و زوجةٍ و بنت؟ ثم لماذا استغلال معادن كالحديد بمشاريع استخراجٍ و نقلٍ مكلفة بدل تسويق ثروات معرفية تعتمد على العقول و الذكاء أكثر من اعتمادها على المادة ؟ و لماذا العناية باستجلاب شركاء غربيين كلُّ همّهم الحفاظ على اختراعاتهم و تفوّقهم الحضاري بدل الذهاب إلى حلول اقتصادية محلية مستمدة من خصوصيتنا ؟
أسئلة تبقى بلا أجوبة…