
لديّ صديقة نجح زواجها نجاحًا أباركه، و قد سمحت لي بأن أروي، على لسانها، قصة بدايات زواجها، و ستفهمون مقصد ذلك عند قراءة النص:
عند الخطوبة، و أثناء حضوري مع والدي ليستمع رجال العائلة إلى موافقتي، فاجأنا الزوجُ المستقبلي بموقفٍ أظهر ارتباكه، إذ قال بعد موافقتي:
«عمي، لا أملك بيتًا و لا حتى إيجار شقة، سأُسكن ابنتك في غرفة في آخر طابق استأجرتها من ربّ عائلة».
و من شدة غرابة الموقف لم أتمالك نفسي فضحكت، و ضحك أبي و عمي. فقال أبي:
«لا بدّ من بدايات متواضعة يا بني، و إن شاء الله يكرمكم الله و تتحسن أوضاعكم المادية و تستأجرون شقة».
و عند دخولي الغرفة في أعلى العمارة بوسط العاصمة، احتَرْتُ في أمري، و بعفوية تامة قلت له:
«عجبًا، أين سنضع الأثاث في مساحة ضيقة كهذه، و مع شرفة صغيرة تُستعمل كمطبخ؟»
فردّ عليّ مفزوعًا:
«أيّ أثاث؟»
قلت: «أبي أهداني خزانة، و لديّ في جهازي أريكة تصلح للجلوس و النوم و أواني المطبخ».
فضحك زوجي و قال:
«سنضعها فوق رؤوسنا! يا إلهي، ما أجمل أن نكون معًا بلا وجع رأس الأثاث».
فضحكت بدوري، و نسيت الموضوع، و قمنا بترتيب الغرفة وفق استطاعتنا.
لم أكن أعمل في بداية زواجي، إذ كنت أُحضّر رسالة ماجستير، فكنت أدرس نهارًا، و رفضت منصب أستاذة مساعدة لأنني أردت قضاء أكبر وقت ممكن مع زوجي، الذي كان يعمل بجدّ و يدرس في الوقت نفسه. كنا نراجع لبعضنا، و نعين بعضنا في كتابة رسالة الماجستير، و كنا أحيانًا ننسى الأكل و نتضاحك على الملاحظات التي كان المشرفون يلفتون انتباهنا إليها.
أما وجباتنا، فكنا ندّخر كل دينار ؛ فنستغني أحيانًا عن الدجاج، و أحيانًا أخرى عن الفاكهة، و نحرص على صحتنا لئلا نمرض. و أكثر ذكرى حلاوة في بالي اقتراح زوجي، في ثاني يوم زواجنا، الذهاب إلى البحر في عزّ الشتاء. نزلنا إلى الميناء، و هناك وقفنا و شرع يقول:
«تخيّلي أننا على قارب في وسط البحر، و الشمس الدافئة تلفّنا».
صدقيني، تخيّلت نفسي فعلًا معه على متن قارب، و استمتعت بالشمس و منظر البحر الهادئ، بينما كان في الحقيقة هائجًا. أعدّ تلك النزهة على واجهة البحر أجمل ذكرى من بدايات زواجنا.