
الجانب الذي قلّما يتعرّض له الإعلاميون و المحللون هو وقع الصدمة على أهل غزة، صغارًا و كبارًا. فهم لا يزالون يعيشون الحصار و القصف و المجاعة، ما يجعل الصدمة متواصلة لا تنقطع. كيف لبشرٍ يتعرّضون لأبشع صنوف الإبادة أن يستعيدوا توازنهم النفسي في ظل تخاذل الجميع، و خصوصًا من يعتبرونهم إخوانًا لهم في العقيدة ؟
و قد صرّح مقرر أممي بأن ما يُنفَّذ في غزة و الضفة الغربية تطهير عرقي، و هو ما يعني قتلًا ممنهجًا و تجويعًا و تشريدًا و سجنًا و تعذيبًا بصورة مستمرة. فكيف تكون الحالة النفسية للضحايا في غياب تكفّل جادّ و متواصل بأوضاعهم النفسية؟
و أكثر الفئات هشاشة هم الأطفال، و لا سيما الأيتام و ذوو الإعاقة. إن صور فقدان الأهل لن تغيب عن ذاكرة الطفل، بل ستظل راسخة تستعاد كلما تجدد الإحساس بالفقد. و من سيعيش بقية حياته مصابًا بإعاقة نتيجة الحرب لن يفارقه أثر الصدمة ؛ إذ إنقلبت حياته بين عشية و ضحاها، وفي لحظة فاصلة فقد قدرة الكلام أو الأكل أو المشيء أو النظر و هنا تتشكل صدمة مزدوجة: صدمة فقدان الأهل أو الإصابة، و صدمة اليوم التالي بكل ما يحمله من أسئلة عن المصير. كيف سيعيش في عالم لا يضمن له أبسط حقوقه ؟
إن تداعيات ما جرى و يجري في غزة و الضفة الغربية سيكون لها امتداد عميق في المستقبل، في ظل تجاهل دولي واضح لمعالجة الآثار النفسية و الاجتماعية طويلة المدى.
- تشير التقارير الصادرة عن منظمات دولية متخصصة مثل منظمة الصحة العالمية (WHO) و اليونيسف (UNICEF) إلى أن التعرض المستمر للحرب و الحصار يرتبط بارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة، و الاكتئاب، و القلق المزمن، خصوصًا لدى الأطفال. كما تؤكد تقارير الصحة النفسية في مناطق النزاعات أن الصدمة المتكررة (Chronic or Complex Trauma) تكون أشد أثرًا حين تنعدم فترات الأمان و الاستقرار.