تاريخ

الدخول إلى بغداد كمحرِّرين

بقلم Kristian Ulrichsen ترجمة إلي العربية الذكاء الإصطناعي

 

لقد تجاهل الساسة و المخططون الذين وقفوا وراء غزو العراق عام 2003 الدروس المستفادة من استيلاء البريطانيين على بغداد من العثمانيين عام 1917.

في 11 مارس 1917، دخل جنود بريطانيون و هنود من قوة الحملة في بلاد ما بين النهرين (MEF) إلى بغداد و احتلوها بهدف إعادة النظام و وقف أعمال النهب التي أعقبت إخلاء القوات العثمانية للمدينة في اليوم السابق. و في 12 مارس، فوّض مجلس الحرب في لندن الفريق أول السير ستانلي مود، القائد العام للقوة، بإصدار بيان إلى سكان بغداد. و قد تعهّد هذا البيان، الذي صاغه السير مارك سايكس في لندن، بأن «جيوشنا لا تدخل مدنكم و أراضيكم كغزاة أو أعداء، بل كمحرّرين».

إن لغة هذا البيان لافتة، و تشبه إلى حدّ كبير الخطاب الذي استُخدم لتبرير غزو العراق عام 2003 بعد تسعة عقود.

شكّل احتلال بغداد ذروة الحملة البريطانية في بلاد ما بين النهرين، التي بدأت في 6 نوفمبر 1914 عندما أطلقت السفينة الحربية البريطانية “أودين” النار على حصن عثماني في شبه جزيرة الفاو، و انتهت باحتلال الموصل و حقول النفط المحيطة بها في 10 نوفمبر 1918، أي قبل يوم واحد من انتهاء الأعمال القتالية في أوروبا، و بعد أحد عشر يومًا من هدنة مودروس التي أنهت رسميًا الحرب مع الدولة العثمانية. و كان هذا التحرك جزءًا من تقدم متأخر و متسرع أراده السير أرنولد ويلسون «لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على نهر دجلة قبل إطلاق صافرة النهاية».

تطلبت الإمدادات اللوجستية للحفاظ على هذه القوة، التي بلغت ذروتها بنحو 420 ألف مقاتل و غير مقاتل عام 1918، موارد محلية هائلة من الأيدي العاملة و الغذاء والعلف. و اضطرت السلطات البريطانية إلى اختراق البُنى السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية المحلية، و تحويل الموارد المدنية لخدمة الأهداف العسكرية. و كان احتلال بغداد نقطة التحول الحاسمة في بناء إدارة مدنية لتنظيم استخراج الموارد المحلية. كما أن الخسائر الكبيرة في الشحن البحري بسبب نشاط الغواصات الألمانية في البحر المتوسط دفعت إلى جعل تطوير الموارد المحلية محور السياسة البريطانية. و قد شدّد مكتب الحرب على ذلك في برقية إلى مود يوم سقوط بغداد، فواصل عملياته للسيطرة على المناطق الزراعية المحيطة، محققًا ذلك باحتلال بعقوبة و الفلوجة و سامراء.

و رأت عالمة الآثار و المستشرقة غيرترود بيل أن السيطرة على الفلوجة كانت ذات أهمية خاصة، لأنها ضمنت السيطرة على مناطق خصبة في الفرات الأوسط كانت تزوّد بغداد بالغذاء، و أشارت إلى أن فقدان هذه المنطقة كان من أكثر نتائج سقوط بغداد كارثية على العثمانيين.

بعد مارس 1917، تحوّل التركيز من الحملة العسكرية ضد العثمانيين إلى إخضاع المناطق المحتلة و إقامة جهاز إداري لتنظيم تعبئة و استخراج الموارد البشرية و الغذائية. و قد وُصف ذلك بـ«الوجه المزدوج» للحملة، حيث تم إخضاع القبائل بوسائل سياسية و بسط السيطرة البريطانية على مختلف مستويات المجتمع. و استفادت بريطانيا من الفراغ الإداري الذي تركه انسحاب العثمانيين، لكنها دخلت في صدام مع القبائل و التيارات الوطنية التي رفضت نظامًا إداريًا مستوردًا و غير ملائم للواقع المحلي.

تم إخضاع القبائل عبر إرسال موظفين سياسيين إلى المدن، أو عبر شيوخ متعاونين، خاصة في النجف و كربلاء. و اعتمد هؤلاء على تقديم الأموال و على القوة العسكرية لمعاقبة الرافضين. و بحلول نهاية 1917، اكتملت عملية السيطرة، و بدأت الإدارة في جمع الموارد بكثافة، مما تسبب في معاناة كبيرة للسكان بسبب نقص الغذاء و التضخم و تعطل التجارة.

بعد الحرب، سعت الإدارة البريطانية إلى تبرير استمرار وجودها رغم خطاب تقرير المصير الذي تبنّاه الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون. و استمرت عمليات جمع الموارد، مما زاد من السخط الشعبي، الذي انفجر لاحقًا في ثورة عنيفة عام 1920، هزّت الحكم البريطاني و أثقلت كاهله ماليًا و عسكريًا.

اعتمدت السياسة البريطانية على افتراض خاطئ بأن القبائل كتلة واحدة متجانسة، بينما كانت في الواقع متنوعة و مجزأة. و قد أدى ذلك إلى سوء تقدير ردود الفعل، خاصة في مناطق الفرات ذات الغالبية الشيعية، التي شهدت مقاومة أشد.

كما تعقّدت العلاقة مع الشيعة بسبب غياب التواصل مع علمائهم، و استمرار تهميشهم سياسيًا. و قد تكررت اتهامات بوجود تأثير إيراني، و هو ما يشبه ما حدث بعد 2003.

في يوليو 1920، تشكّلت حركة تمرد ضمت قبائل و شيعة و نخبًا حضرية و ضباطًا سابقين، متأثرة بتناقض الخطاب البريطاني بين وعود الاستقلال و ممارسات الهيمنة. اندلعت الثورة في الرميثة و انتشرت، لكنها افتقرت إلى التنسيق، كما لم تنضم بعض القوى السنية، مما أدى إلى فشلها الجزئي.

و رغم ذلك، كان لها أثر سياسي عميق، إذ رسّخت هيمنة النخب السنية في الدولة العراقية الناشئة، بعد معاهدة 1922، و هو ما أثّر على توازنات العراق طوال القرن العشرين.

إن احتلال بغداد عام 1917 و ما تلاه من بناء إداري و استخراج للموارد يبرز كيف تؤثر الحروب الكبرى في تشكيل أنماط السيطرة الاستعمارية. كما أن أحداث 1917–1920 ذات صلة عميقة بما جرى في العراق بعد 2003، و كان ينبغي أن توفّر دروسًا مهمة لصنّاع القرار، خاصة أن دخول البريطانيين إلى بغداد «كمحرّرين» شكّل إطارًا تاريخيًا لفهم كيفية استقبال أي احتلال لاحق.

الرابط بالإنجليزية : https://www.historytoday.com/archive/feature/entering-baghdad-liberators

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى