
كان الزعيم هتلر مقتنعًا بهذه الحقيقة المثلى التي نعدّها قاعدة في بناء الحضارة: «لا وجود لعمل حقير ؛ كلّ عمل ينفع الإنسانيّة هو عملٌ مفيد، و نعدّه خطوة صحيحة في استرداد قوّتنا و عافيتنا الحضارية».
كانت شروط اتفاقيّة فرساي بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى مهينة لألمانيا المنهزمة، و عندما تسلّم الزعيم هتلر مقاليد الحكم وجد ألمانيا منهارة، و وضعها الاقتصادي في حالة انهيار تام. فأوّل ما فكّر فيه كان إعادة بناء البنية التحتيّة المدمَّرة خلال الحرب، و سخّر ذكاء و موارد الرايخ الثالث المالية و البشريّة لبلوغ هذا الهدف، لأنّ ألمانيا لن تستعيد دورتها الحضارية الطبيعيّة من دون بنية تحتيّة سليمة و متطوّرة تسهّل عملية البناء على الشعب الألماني المفعم بحماس الزعيم.
و في يوم من الأيام، استقبل هتلر أحد وزراءه الذي ذكر له تذمّر مجموعة من الألمان رفيعي المستوى الأكاديمي، قائلاً:
«يا زعيمنا، هم في حالة بطالة و غاضبون جدًّا من وضعهم، بماذا تنصحني؟»
فأجابه هتلر: «أرسلهم إليّ… سأستقبلهم».
قال الوزير: «خير ما تفعل، فقد احترت في أمرهم، و لا أدري أين أوجّههم، و أنت تعلم أنّ الخزينة فارغة و لا أستطيع دفع رواتب معتبرة لهم».
استقبل هتلر المتذمّرين، و كانوا دكاترة و كبار علماء، فقال لهم:
«عندما تخرجون من هنا، ستتّجهون مباشرة إلى الأشغال العمومية. سنوظّفكم هناك، فنحن بحاجة إلى عقولكم و سواعدكم. و لا تتوقّعوا رواتب تناسب تخصّصاتكم العلميّة و الجامعيّة».
فصُعِق الرجال و احتجّوا:
«كيف لدكتور في البيولوجيا أن يعمل في الزفت و الحجر يا زعيمنا؟»
فجاء ردّ هتلر حاسمًا:
«لدينا أمثالكم في مناصبهم، و هم يجتهدون لبعث روح ألمانيا الخالدة من جديد. و ليس لدينا مناصب فارغة لكم الآن. و الأَولى بكم أن تقبلوا عملكم الجديد، و إلا فكيف ستنهض بلادكم من حرب مدمّرة و استسلام مهين إن لم تضحّوا بالألقاب الأكاديمية و تساهموا في بناء الطرقات و المطارات و الموانئ لتمكين بلدكم من النهوض أقوى مما كان ؟ فلا تحتقروا أيّ عمل ؛ فالعمل شرف لصاحبه، أيًّا كان نوعه».
فخرج الرجال مقتنعين بتوجيهات هتلر. لقد ضحّوا من أجل ألمانيا، من أجل أمة غوته و كانط… و نجحوا.