
في ثمانينيات القرن الماضي، في تونس، كنتُ أقيم في منزل ذي هندسةٍ معمارية إسلامية. كانت نافذتي تطلّ على حديقةٍ مليئة بالخضرة و الأشجار، و كانت شجرة صنوبر إلى جانب نافذتي مباشرة ؛ كلما أطللتُ منها قابلتني أغصان الشجرة، التي كنت أكتشف من خلالها أشعة الشمس في صباحٍ مشرق. كنت قد وضعتُ مكتبي ملاصقًا للنافذة.
و في يومٍ ما جاءت والدتي الكريمة لتخبرني بأننا سنترك المنزل لننتقل من شارعنا إلى شارع غير بعيد، إلى منزلٍ آخر، و عليّ أن أُحضّر نفسي نفسيًا لهذا الانتقال.
جلستُ إلى مكتبي، و أخذتُ قلمي، حين لم أكن أعرف بعد أزرار الحاسوب الثابت. فتحتُ كراسًا و كتبتُ ما يلي على صفحةٍ بيضاء سرعان ما امتلأت بكلماتي ، كلمات نابعة من القلب و العقل في آنٍ واحد:
«ها أنا يا مكان، ألهمتني كثيرًا السكينة و الذوق الجميل، و ذكّرتني بزمن أمجاد العمارة الإسلامية. ها أنا سأرحل بعد أسابيع، و لن أُقيم بين جدرانك التي احتضنتني لسنتين كاملتين، شعرتُ فيهما أنني أميرة آتية من بعدٍ آخر، من زمنٍ كان النقاء و كل ما هو جميل و مفيد من خصائص حضارةٍ أبية.
إنني مغادرة، و سأحمل معي ذكريات تلك الصباحات التي كنت أبدأها مع أولى خيوط الفجر، لأنهيها عند غروب الشمس من خلف شجرة الصنوبر. هنا، عندما أرى الجدارية من الفسيفساء الرائعة التي أبدعتها أيدي فنانٍ راقٍ، أسبح بعظمة الله الذي ألهم عبده كل هذا الجمال و الإبداع و الإتقان.
هنا تعلّمت أنني جزء من امتداد حضارة توحيدية أضاءت العالم لفترةٍ زمنية، ثم انطفأت بإرادة أبنائها قبل مكائد العدو. هنا كان القلم يجري بين أصابعي بعفوية ليخطّ قصصًا قصيرة تارة و طويلة تارة أخرى، حكيتُ فيها عن المرأة الحلم، المرأة القدوة، في زمن تشييء الإنسان المسلم.
و سأحمل معي إلى الأبد سحر هذا المكان، و هذه الغرفة، و هذه الحديقة التي اصطفت فيها أشجار مثمرة معطاءة أتحفتنا بثمارها الناضجة و اللذيذة.
هنا… تذكّرتُ أن من يسير على درب الحق لن يخذله ربنا تعالى، و هنا عقدتُ العزم على المضيّ في درب الحق إلى آخر نفس… إن شاء الله».