
تكملةً لنص البارحة حول نظرة مالك بن نبي رحمه الله لدور الأسرة و كيف تنقل القيم الأخلاقية إلى النشء الجديد، فإننا إذا قمنا بمعاينة مباشرة للواقع سندرك حتمًا مدى اتساع الفارق بين قيم الدين الإسلامي و قيم المجتمع المادية. إنّ سيطرة المفاهيم المادية على العلاقات الاجتماعية و الأسرية ناتجٌ عن سوء تقدير لدور الأخلاق الدينية في إرساء معالم الأسرة المسلمة المتحضّرة.
لقد بات التقييم المادي أولى من تخلّق الحياة الزوجية و الاجتماعية، و وفقًا لذلك لم يعد بمقدور الأبوين تربية أبنائهما وفق تصوّر أخلاقي سامٍ. فالآفات المنتشرة في المجتمع — من كذب و شهادة زور و غشّ و تزوير و عدم حفظ الوعود و الأمانات و الرشوة — تعبّر عن غياب التربية الدينية ؛ إذ يعطي الوالدان أهمية قصوى للدخل المادي، و لا يهتمان بتوريث أطفالهما أخلاق الصدق و النزاهة و الاستقامة.
و قد أقحم الأزواج في التربية منطق الانتهازية و الإعلاء من شأن المادة على حساب الدين و الأخلاق، و مثل هذا التعاطي التربوي سيُضعِف حصانة المجتمع و مناعته، و سيُعطِّل بدرجة كبيرة أيَّ انبعاث حضاري مرتقب. و بما أنّ ما يتعلّق بالإنسان مترابط، فإنّ انعكاس النظام الاقتصادي على نوعية حياة الأفراد و الجماعات خلق أجواء تميل إلى التنظير المادي لفعل الحياة، و إلى اعتبار القيم الدينية شيئًا باليًا من عصور التخلف.
فكيف، و الحال على ما هو عليه، نستطيع إصلاح الأوضاع و الخروج من النفق إلى الشمس الساطعة؟