
فبحسب المفكر الراحل مالك بن نبي رحمه الله، ليست الإشكالية في كثير من المجتمعات نقصًا في الموارد أو الإمكانات، بل نقصًا في منطق العمل و غياب الوعي الثقافي ؛ فالأفكار وحدها لا تكفي إذا لم تتجه نحو عملٍ حقيقي. و هذا هو لبّ الإشكالية في عالمنا العربي الإسلامي.
فشروط العمل من وعي و فكرة و مشروع و إتقان و نزاهة و جدٍّ و مثابرة و ضمير حيٍّ و روح هِمّة عالية، كلها مغيّبة. و السبب: غياب الرؤية، و غياب الوعي الثقافي و الديني الذي يحرّك الفكرة و العقل و السواعد معًا. نحن نعيش في ظل استهانة بقيم العمل، و نتجاهل تمامًا أن العمل في المنظور الديني عبادة، و هذه العبادة بالذات مُهملة، مقصّرون فيها منصرفون عنها.
نبحث عن الربح السريع دون كَدٍّ و لا اجتهاد، و لا نكره شيئًا مثل بذل ما عندنا من أفكار و جهود و إبداع. فلا نكتفي بالعمل، بل نبدع فيه و نتقنه؛ و هذا لا يخطر على بالنا من فرط اعتيادنا للكسل الذهني و الجسدي. و النتيجة معروفة: نحن في ذيل الأمم، و يُضرَب بنا المثل في التخلّف و الجمود و الركود.
فلا تُنظر قيمة العمل في ذاتها بعين المجتهد، بل يكون همّ الفرد و الجماعة قيمة الراتب أو الدخل، أما الأداء المهني فآخر ما يفكّرون فيه. و لن نستطيع الإنبعاث حضاريًا إذا بقينا حبيسي التقييم المادي البَحت للجهد الذهني و العضلي. فالدورة العلمية و الاقتصادية لا تُدار بهذه الطريقة ؛ إذ تحتاج الحياة الاقتصادية إلى أفكار و مشاريع و خطط عمل، و إن غابت فلن يعوّضها العمل الرتيب الذي يكرّر أفعالًا غير منتجة.