سياسةيهمكم

رؤية من طهران: الحرب تُنتج نوعًا جديدًا من الاستقرار

بقلم PEIMAN SALEHI ترجمة الي العربية الذكاء الإصطناعي

طهران (خاص بـ *Informed Comment*؛ تقرير مميز) – في طهران، تغيب إلى حدٍّ كبير العلامات المتوقعة لانهيار زمن الحرب.

يميل المنطق التقليدي للحرب إلى افتراض بسيط: الضغط الخارجي المستمر يؤدي إلى تصدّع داخلي. وفي حالة إيران، سارت معظم التحليلات السائدة، خاصة في الأوساط السياسية الغربية، على هذا النهج، معتبرةً أن التصعيد العسكري المصحوب بضغوط اقتصادية من شأنه تعميق الانقسامات الداخلية وربما زعزعة استقرار الدولة.

غير أن التطورات داخل إيران تشير إلى اتجاه مختلف.

فبدلًا من التسبب في الانهيار، يبدو أن الضغط الخارجي يُنتج نوعًا من التماسك الداخلي – اجتماعيًا وسياسيًا واستراتيجيًا – بما يعقّد التوقعات بشأن مسار الصراع.

ومن داخل طهران، فإن الملاحظة الأكثر مباشرة ليست الانهيار، بل الاستمرارية تحت الضغط. فالحياة اليومية لم تتوقف؛ المتاجر ما تزال مفتوحة، والناس يواصلون العمل، والأماكن العامة ما تزال نشطة، رغم تقلبات العملة والانقطاعات المتقطعة للإنترنت التي تعيد تشكيل الروتين اليومي. هذه الاضطرابات حقيقية، لكنها لم تتحول إلى تفكك اجتماعي ظاهر، بل دفعت الناس إلى التكيّف. فالأسر تعيد ضبط أنماط الاستهلاك، وروتين العمل، وتوقعاتها بشأن المستقبل القريب. النظام ليس جامدًا، بل يعيد معايرة نفسه.

ومن اللافت أيضًا غياب موجات نزوح واسعة إلى الخارج. ففي كثير من بيئات النزاع، ترافق المراحل الأولى من التصعيد محاولات مغادرة البلاد – عبر الهجرة أو طلب اللجوء أو تهريب رؤوس الأموال. أما في هذه الحالة، فقد ظلت هذه الأنماط محدودة. وتشير تقارير مؤسسات أوروبية إلى عدم وجود زيادة كبيرة في طلبات اللجوء من الإيرانيين، بينما تفيد بعض الشهادات بأن أفرادًا من الجالية الإيرانية في الخارج فكّروا في العودة بدلًا من المغادرة. وهذا لا يعني دعمًا موحدًا للنظام السياسي، بل يعكس تحولًا في ترتيب الأولويات؛ ففي ظل التهديد الخارجي، يبدو أن الخلافات السياسية تُؤجَّل مؤقتًا لصالح شعور أوسع بالاستمرارية الوطنية.

وقد شهدت إيران شيئًا مشابهًا من قبل.

فخلال الحرب الإيرانية–العراقية، تجاوزت المشاركة في الدفاع الوطني الحدود الأيديولوجية والدينية، وشاركت فيها ليس فقط القاعدة السياسية للنظام، بل أيضًا الأقليات والفئات التي كانت على هامش البنية الحاكمة. ويعكس الوضع الراهن ديناميكية مشابهة، حيث يعيد الضغط الخارجي تشكيل حدود الهوية السياسية، محولًا التركيز من الانقسامات الداخلية إلى الصمود الجماعي.

ومع ذلك، فإن توصيف هذه الحالة بوصفها مجرد “وحدة وطنية” ينطوي على تبسيط مخلّ. فما يتشكل ليس مجرد تماسك، بل تكيف استراتيجي على مستويات متعددة.

فعلى المستوى الاجتماعي، يظهر هذا التكيف في كيفية إدارة المخاطر في الحياة اليومية، عبر سلوك اقتصادي احترازي، وتغيّر في أنماط التواصل، وقبول ضمني بفترة ممتدة من عدم اليقين. أما سياسيًا، فيتجلى في إعادة ضبط التوقعات؛ إذ لم يعد كثيرون ينتظرون حسمًا سريعًا، بل ينظرون إلى الصراع بوصفه عملية ممتدة تُحدَّد نتائجها بمرور الوقت.

وينعكس هذا التحول الزمني في الموقف العسكري والاستراتيجي لإيران. فعلى خلاف التوقعات التي رجّحت لجوء إيران إلى استخدام مكثف لقدراتها في المراحل الأولى من التصعيد، تميز نهجها العملياتي بضبط النفس في الانتشار الأولي، مصحوبًا باستراتيجية تصعيد تدريجي. فبدل استنزاف قدراتها المتقدمة منذ البداية، يبدو أنها اعتمدت على أنظمة أقل تكلفة، مثل الطائرات المسيّرة والمقذوفات قصيرة المدى، تُستخدم على شكل موجات متكررة. والهدف من هذا النهج ليس تحقيق أثر حاسم فوري، بل فرض ضغط تراكمي.

ويتوافق هذا الأسلوب مع منطق الاستنزاف الذي يتجاوز ساحة المعركة. فالهجمات المتكررة منخفضة التكلفة يمكن أن تفرض ضغطًا مستمرًا على الأنظمة الدفاعية، خاصة عندما تعتمد هذه الأنظمة على وسائل اعتراض محدودة ومكلفة. ومع مرور الوقت، يضيف هذا الواقع بُعدًا اقتصاديًا للاشتباك العسكري، حيث تصبح فجوة التكلفة بين الوسائل الهجومية والدفاعية عاملًا متزايد الأهمية. وفي هذا السياق، لا يدور الصراع حول مواجهات منفردة، بل حول استنزاف القدرات عبر أنظمة مترابطة.

ويلعب مضيق هرمز دورًا محوريًا في هذه الاستراتيجية الأوسع. فغالبًا ما يُناقش هذا المضيق في إطار نظري، لكن أهميته في الصراع الحالي أصبحت عملية لا مجرد افتراضية. فقد أدت القيود المفروضة على حركة الملاحة – سواء جزئيًا أو انتقائيًا – إلى إدخال احتكاك في تدفقات الطاقة العالمية، ما أسهم في تقلب الأسعار وزيادة حالة عدم اليقين. وبالنسبة لإيران، يمثل ذلك أداة ضغط تعمل في آن واحد على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي، مما يسمح لها بتوسيع أثر الصراع إلى ما وراء الاشتباكات العسكرية المباشرة.

وعليه، فإن ما يتشكل هو استراتيجية متعددة الطبقات، تتشابك فيها العمليات العسكرية ونقاط الضغط الاقتصادي والتكيف المجتمعي. فالصراع لا يُدار فقط عبر المواجهات العسكرية، بل من خلال إدارة القدرة على الصمود، داخليًا وعلى مستوى النظام الأوسع الذي تنخرط فيه إيران.

في المراحل الأولى من التصعيد، ركزت التصريحات العلنية للقيادة الأمريكية على أهداف قصوى، بما في ذلك احتمال فرض نتيجة حاسمة. ومع مرور الوقت، تغير هذا الخطاب، حيث أصبحت التصريحات اللاحقة أكثر تركيزًا على قيود محددة، أبرزها الحد من القدرات النووية الإيرانية، مع الاعتراف بتعقيد تحقيق أهداف أوسع. ولا يشير هذا التحول بالضرورة إلى تغيير في الأهداف النهائية، لكنه يعكس تعديلًا في تقدير إمكانية تحقيقها في ظل الظروف الراهنة.

وتعكس هذه التعديلات مسألة أعمق، وهي صعوبة تحويل الضغط الخارجي إلى تفكك داخلي داخل نظام مُهيأ للصمود تحت القيود. فإذا انطلق الفاعلون الخارجيون من فرضية أن زيادة الضغط ستؤدي خطيًا إلى الانهيار الداخلي، فإنهم يخاطرون بسوء فهم قدرة المجتمع على التكيف. ففي الحالة الإيرانية، يبدو أن الضغط يعزز بعض أشكال التماسك الداخلي، وفي الوقت نفسه يدفع السلوك الاستراتيجي نحو آفاق زمنية أطول.

وهذا يطرح تحديًا أمام صناع القرار؛ فالإستراتيجيات القائمة على زعزعة سريعة قد لا تكون غير فعالة فحسب، بل قد تولّد ديناميات معاكسة تقوّي البُنى التي تستهدف إضعافها. ومن هنا، يصبح التمييز بين الخلاف الداخلي والمقاومة الخارجية أمرًا حاسمًا؛ إذ يمكن لمجتمع ما أن يحتوي على اختلافات داخلية كبيرة، ومع ذلك يُظهر تماسكًا في مواجهة تهديد خارجي. وعدم إدراك هذا الفرق قد يؤدي إلى الخلط بين التنوع السياسي والهشاشة البنيوية.

وعليه، يُبرز هذا الصراع نقطة أوسع تتعلق بطبيعة الحروب المعاصرة في الأنظمة المترابطة. فالنتائج لا تُحسم فقط عبر السيطرة على الأرض أو الأداء العسكري المباشر، بل بقدرة الفاعلين على امتصاص الضغط، وإدارة الموارد، وتشكيل البيئة بمرور الوقت. وفي هذا السياق، يعكس النهج الإيراني – الذي يجمع بين التكيف المجتمعي واستراتيجية استنزاف محسوبة – نموذجًا يقدّم الصمود على التصعيد السريع.

فبدلًا من الانهيار تحت الضغط، يقوم النظام بالتكيّف معه.

وفي هذا التكيّف تكمن الحقيقة الاستراتيجية الأساسية التي يجب على الفاعلين الخارجيين إدراكها: أن الآليات المصممة لفرض التغيير قد تُنتج، في ظروف معينة، نوعًا مختلفًا من الاستقرار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى