
كأنّ الإعلام الأمريكي لم يتعلم الدرس من الولاية الأولى للرئيس ترامب ؛ إذ يتعامل مع ترامب، في ملفات على قدر كبير من الخطورة مثل ملف فلسطين و غزة تحديدًا، بكثير من السذاجة و الجهل، و بقدرٍ أكبر من الاستفزاز. كيف ذلك؟
من مطالعاتي لمذكرات الرؤساء الأمريكيين، و معظمهم من الصهاينة، لدي فكرة عن كيفية إدارة أي رئيس أمريكي لملف فلسطين حين يقوم بنو صهيون بعدوان عسكري على غزة.
الرئيس ترامب يطلع يوميًا على حيثيات العدوان في غزة، حتى من قبل وصوله إلى البيت الأبيض في عهدته الثانية، و هو الآن أكثر اطلاعًا من أي شخص في دولته. لماذا ؟ لأن المخابرات الأمريكية و الجيش الأمريكي متورطان مع جيش الاحتلال في دعمه بالعتاد و المعلومات و اللوجستيات و حتى الرجال. فكيف لا يكون ترامب على اطلاع بما يجري في غزة ؟
سأعطيكم مثالًا من جلسة مع الإعلام كانت بمثابة ندوة صحافية قادها الرئيس ترامب حول الأوضاع في الشرق الأوسط :
سألته قناة CBS: “سيدي الرئيس، المعاناة كبيرة جدًا في غزة. هل تعلم ؟”
نظر الرئيس إلى الصحافي نظرة حادة ثم أجاب: “و كيف لا ؟”
فسأله الصحافي: “و ما العمل، سيدي الرئيس ؟ ألم تعدنا منذ مدة بقرب حصول هدنة؟”
فأجاب ترامب: “تحدثت عن وجوب الاتفاق على هدنة، و أتمنى قرب الاتفاق، لكن بين التمني و الواقع مسافة.”
ثم قال الصحافي: “لكن، سيدي الرئيس، من يدفع ثمن هذا التأخر في الاتفاق على هدنة هم الغزويون. فأين الخلل؟”
نظر الرئيس مرة أخرى بحدة إلى الصحافي و قال: “الخلل عند المتفاوضين، و خاصة جانب حماس. رجاءً أعطِ فرصة لزميل آخر.”
ثم سأل صحافي من جريدة الأمة: “أنت قلت إن المعاناة في غزة كبيرة، فهل تتعاطف مع الغزويين؟”
فرد ترامب بصوت جاف: “و في ماذا يفيد التعاطف ؟ في السياسة لا وجود للتعاطف، بل مصالح الدول و الرهانات السياسية و الأمنية التي هي على المحك.”
بالضبط، فيم يفيد التعاطف مع رئيس أمريكي صهيوني ؟ و هل ننتظر تعاطفًا من رئيس ساعد جيشه في قتل المدنيين في غزة و حماية بنو صهيون؟ تكمن مشكلة الإعلام الأمريكي في أنه يتعامل مع رئيسه بحسابات لا تتفق مع منطق السياسيين و أصحاب القرار. و ترامب بالذات لا يعير أي أهمية للجانب الإنساني بقدر ما يفكر، في المقام الأول، في المكاسب التي سيجنيها من صفقة أو، عذرًا، من هدنة.