
بحسب مالك بن نبي رحمه الله: «إذا انفصلت السياسة عن الأخلاق تحوّلت إلى أداة تدمير»، من كتابه ميلاد مجتمع. و يُعدّ هذا من الأسباب الرئيسية للانحطاط العام في العالم العربي الإسلامي ؛ إذ خلت السياسة، في معظم تجاربنا، من البعد الأخلاقي الذي يُضفي عليها شرعية مسؤولة. فجُلّ الأنظمة السياسية التي تحكمنا تناصب الأخلاق العداء، فكان تفشّي آفاتٍ كالفساد المالي و الاقتصادي، و المحسوبية، و الانتهازية نتيجةً طبيعية لذلك.
و من يدفع فاتورة هذا الفساد و هذا التخلف هو المواطن العادي، الذي وُلد و كبر في أجواء تُسفِّه القيم السامية و تُعلي من شأن الأنانية و الحسابات الضيقة و استغلال النفوذ في غير محلّه. فكيف سنحصل على إنسان النهضة ؟ و من أين لنا الإنسان المتحضّر الفاعل و الحال على ما هو عليه ؟
سياسة بلا أخلاق وضعٌ يشمل الجميع، و هنا مربط الفرس: أن تتحوّل السياسة إلى أداة تدمير—تدمير للذات الجماعية، و لروح النهضة، و للطموح المشروع في تطوّر قائم على مستويات متعددة. و مثل هذا التدمير ضرره بالغ الاتساع، و هو المعول الذي يهدم الأمم و الحضارات. و من دون تصحيح المسيرة السياسية في الدول المعنية، فلا سبيل للنجاة.
غير أن هذا التصحيح لا يكون بالقفز في المجهول، بل بمعالجة طبيعية ؛ أي بتغييرٍ تدريجيّ لذهنيات مريضة. فالثورات على الفساد التي شهدتها بعض الدول العربية لم تكن ناضجة بما يكفي لتنجح، فقد كانت إنفعالية، لذلك انهزمت أمام الثورات المضادّة. إن التغيير يتطلّب نضجًا في الرؤية، و نظرةً شمولية دقيقة، و توحّدًا حول مشروع إصلاحي، و استعدادًا للتضحيات، و طولَ نفس، و وضعَ الخلافات جانبًا، مع تقديرٍ جيّد للإمكانات، و أخذِ الظروف الخارجية المحيطة بالدول و الشعوب بعين الاعتبار. فالتغيير، قبل كل شيء، برنامجٌ إصلاحي ؛ إن لم يعتمد على الذكاء، و القيادة الحكيمة، و روح الخير، فلا تغيير في الأفق.