
ما سأذكره في هذه المقالة قصةٌ جزءٌ منها من الخيال و جزءٌ آخر من الواقع. صمتُّ عنها لما يقارب عشرين سنة، و أعود إليها هنا للعبرة، و لمناقشة قضية لطالما أُهملت و لم تُعالَج معالجةً جذرية للأسف.
كنتُ سنة 2004 في مطار إسطنبول القديم، قادمةً من طهران، و كان عليّ انتظار قرابة أربع ساعات و نصف قبل سفري إلى الجزائر على متن الخطوط الجوية التركية. قضيتُ الوقت في زيارة محلات الهدايا و التأمل في الصناعات التقليدية التركية، فاشتريتُ بعض الهدايا، ثم تناولتُ وجبةً خفيفة في مطعم، و بعدها أخذتُ مكاني في انتظار الإعلان عن رقم قاعة الإقلاع.
فتحتُ كتابًا و بدأتُ القراءة، و لم أنتبه لمرور الوقت، إلى أن سمعتُ صوتًا أنثويًا يخاطبني بالعربية: …
– هل تسمحين بالجلوس إلى جانبك؟
نظرتُ إلى المسافِرة، و كانت جزائرية، فوافقتُ، و عدتُ إلى كتابي. غير أنّ الشابة الجزائرية لاحظت:
– الرواية التي تقرئينها شهيرة، و تُذكّرني بحلقات مسلسل، أليس كذلك؟
فأجبتُها باقتضاب:
– نعم.
مرّت برهةٌ من الصمت، ثم عادت المسافِرة لتقول: …
– هل بإمكاني الحديث معك؟ طبعًا دون إزعاج؟
– تفضّلي.
– لا أدري لماذا ارتحتُ لك من أول نظرة، لكنني عائدة إلى بلدي بجرح عميق، و أريد الشفاء منه.
– طيب، ما دامت لديكِ إرادة الشفاء فلا بأس.
– نعم، أنا عازمة على الشفاء. جئتُ إلى تركيا عند أخي، فهو مقيم هنا منذ سنوات عديدة، و ذلك بعد أن تلقيتُ صدمة وجدانية في الجزائر. تخلى عني شخص كنتُ أظن أنه سيتقدّم لخطبتي، لكنه لم يفعل و لا ينوي ذلك.
فقلتُ، و قد حاولتُ أن أكون قاسية و موضوعية في آن واحد:
– لستُ في حاجة إلى تفاصيل ما جرى لك، أرجو فقط أن تجيبي عن بعض الأسئلة، لعلنا نضع معًا الإصبع على الأسباب الحقيقية لحالتك.
فردّت:
– طبعًا، أنا مستعدة للإجابة.
– هل هذا الشخص، منذ البداية، صرّح لك بنيّته الزواج منك؟
– لا، صراحةً، لكنه أبدى اهتمامًا زائدًا بي، و وقف إلى جانبي في العمل، و ساعدني في حل مشاكل مهنية مع محيطي.
– جيّد. لماذا اعتقدتِ إذن أنه ملزم بالزواج منك؟ سألتُها بقسوة.
– أفعاله أوحت لي بذلك.
فقلتُ:
– آنسة، الرجل عندما ينوي الزواج يخاطب المعنيّة مباشرة و دون مقدمات. و هناك صنف غير جادّ يبحث عن اهتمام امرأة بلا أدنى التزام بترسيم العلاقة. كان عليكِ أن تفهمي ذلك من تلقاء نفسك. الرجل لم يطلب يدك، انتهى الأمر. كل ما قام به يندرج في باب الشهامة، لا أكثر و لا أقل.
على المرأة ألّا تبني قصورًا على الرمال لمجرّد اهتمام شخص في محيطها بها. الأمور الجدية تكون واضحة منذ الخطوة الأولى، و إلا وجب الحذر.
لم تُبدِ الشابة أي ردّ فعل، و بقيت صامتة. و عندما أُعلن عن رقم قاعة الإقلاع، قمتُ من مقعدي. فقالت لي، مودّعةً:
«الحقيقة حين تأتي من غريب تكون أهون عليّ. شكرًا لكِ».