
منذ سنوات، باحت لي صديقة بأن ابنها، و هو في الثامنة عشرة من عمره، عوض أن يركّز على امتحان البكالوريا شعبة العلوم، انصرف تفكيره إلى الارتباط بزميلة له. فقلت لها:
«قولي له بكل بساطة: لم يحن الوقت بعد، و ليكفّ عن التفكير في زميلته مدةً معيّنة، ثم ليفحص حاله: هل ما زال راغبًا في خوض تجربة الزواج مبكرًا و هو لا يملك بعد زمام استقلاله؟»
و هذا النص القصصي يبلّغ الكثير مما تعجز مقالة فكرية عن تبليغه :
كانت مضيفتها قد دعتها إلى شرب الشاي الأحمر معها ذلك المساء. و بينما كانت ترتشفه، اكتفت بالإنصات، و هي تفكر في قرار بالغ الأهمية ينبغي أن تحسمه في اليوم نفسه:
«لا مجال لأن أحلم، لقد تجاوزتُ سنّ الأوهام، و ربما هو مخطئ في الشخص الذي اختاره، إنه شابّ جدًا». كانت تقول ذلك في سرّها.
أفاقها آخر كلام السيدة:
– لا، شكرًا، قطاري ينطلق عند الخامسة مساءً، و والدي ينتظرني في محطة الوصول، عليّ أن أعتذر عن هذه الدعوة للنزهة.
لم تُلحّ الأخرى، لكنها أضافت بنبرة حيادية:
– حسنًا، لا بدّ أن توضحي الأمر مع ابني، و آمل أن تكون إقامتك بيننا قد كانت ممتعة.
– جدًا، و أنا ممتنّة لكِ على كرم الضيافة و لطفكِ.
– على الرحب و السعة.
كانت في غرفة الضيوف تُجري الترتيبات الأخيرة في حقيبتها الصغيرة حين دوّى صوته في الحديقة، فمالت من النافذة و قالت:
– سأنزل حالًا.
في الأسفل، رأت الأم في المطبخ، فاتجهت مباشرة إلى الحديقة:
– لماذا ترفضين هذه النزهة ؟ أليست وسيلة لتخفيف وقع رحيلك ؟ قال الشاب ذو الثمانية عشر عامًا.
لزمت الصمت، تنظر إليه، محاولة أن تجد مدخلًا لا يجرحه، رغم إدراكها المسبق لردّة فعل أقرانه أمام الرفض.
– ما بكِ ؟ قال متعجبًا من صمتها.
– خلال النزهة، أظن أنك كنت تريد أن تقول لي شيئًا، أليس كذلك ؟ قالت أخيرًا.
حلّ عليه الدور ليلزم الصمت. بقيت واقفة تتأمل البحر خلف الحديقة، و الكثبان، و النوارس. و أخيرًا قال:
– ممَّ تخافين ؟
– لا أخاف، لكن ما لاحظته خلال هذه الإقامة هو أنك تعلّقتَ بي أكثر مما ينبغي، و هذا ليس أمرًا جيدًا.
– كيف ذلك ؟ قال مذهولًا.
– عندما أغادر بعد أقل من ساعتين، سيبدأ النسيان في أداء دوره. ما تظن أنك تشعر به طبيعي في سنك، لكن يجب مواجهة الحقيقة: لستَ في عمر يسمح لك بالالتزام. ما أقوله لك قاسٍ… ثم توقفت و هي تقول بسخرية داخلية: «قاسٍ بقدر زمن نطق هذه الكلمات فقط، ثم يزول كل شيء بعدها».
ساد الصمت من جديد. بدا عليه الاضطراب و كأنه فقد ثقته السابقة.
– تقصدين أنني صغير على الزواج، أليس كذلك؟
أومأت برأسها موافقة.
– ما فيكِ من رجاحة عقل و صدق أنك لا تعيشين على الوهم و تذهبين مباشرة إلى جوهر الأمر، قال أخيرًا.
كتمت شعورها بالارتياح ؛ فقد أقرّ بصواب منطقها، و كان ذلك كافيًا. و فجأة أدركت أنه لم يعد بينهما ما يُقال. تحجّجت بضرورة إتمام توضيب حقيبتها و صعدت إلى الطابق الأول. و حين جاء مضيفها ليقلّها إلى المحطة، كان ابنه برفقته. و عند الوداع، سمعت الشاب يقول:
– آمل أن نلتقي مجددًا، و أن يتسنى لنا مرة أخرى أن نستقبلكِ في بيتنا.
أشارت بيدها شكرًا، و حيّت الأب، و أثناء صعودها درجات القطار متجهة إلى الدرجة الأولى، قالت في نفسها:
«حين نلتقي من جديد، سنكون قد طوينا صفحة، و سيسلك كلٌّ منا طريقًا مختلفًا. الحمد لله، من بيننا الاثنين، أنا الأكثر تعقّلًا».