قضايا حضاريةيهمكم
مفارقة بنيوية عميقة بيننا و بين إيران الدولة و المجتمع
بقلم الدكتور محمد الأمين مقراوي الوغليسي

سبق لي التعامل مع مراكز دراسات إيرانية و مع أكاديميين إيرانيين في بعض الملفات العلمية و البحثية، و منها تواصل النخب الإيرانية معي لأجل مناقشة الصراع الغربي الروسي و تأثيراته على العالم العربي و الإسلامي، و ما لاحظته من خلال التواصل العلمي مع نخبهم هو مفارقة بنيوية عميقة بيننا و بين إيران الدولة و المجتمع؛ فبالرغم من أن النظام السياسي الإيراني يتبنى نموذجا شموليّا، إلا أنه يسمح بتعددية داخل النظام تؤسس لسقف مقبول من الأسئلة و الانتقادات و النشاطات.
فالنظام في إيران يسمح بنقاش علني لخططه الاستراتيجية و حتى انتقادها ؛ لأنه نتاج دولة مؤسسات عميقة و توازن قوى، أي أنه لا يمثل في الواقع شبكات شخصانية، مثل الموجودة في منطقتنا حيث يعتبر أي نقاش لأي ملف مالي أو استراتيجي و نقده نقدا بناء أو التعليق عليه نقدا لشخص الحاكم، و هذا هو سبب انخفاض السقف عندنا و ارتفاعه عندهم.
و الأدلة على تمتع إيران ببيئة تكفل النقاش و الحوار بشكل مقبول عديدة، و منها: الانقسام العميق بين النخب الإيرانية عشية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ؛ حيث توزعت الآراء بين ضرورة التعاون لإسقاط صدام حسين، و بين التمسك بالحياد، أو الرفض المطلق، و كانت الصحافة الإيرانية حينها ساحة مفتوحة لهذه المعركة الفكرية.
أما الدليل الثاني: فهو الحراك المستمر بين التيارين الإصلاحي و المحافظ ؛ فعلى الرغم من وجود خطوط حمراء عقدية يحددها رأس الهرم (مثل ولاية الفقيه، و السياسة الخارجية الكبرى التي يحددها المرشد)، إلا أن الإصلاحيين يطرحون رؤى نقدية لسياسات النظام بكل جرأة، معتمدين على منصات إعلامية و رموز فكرية معروفة، و لديهم حتى قنوات تواصل مع الخارج لشرح ما يودون فعله لو تمكنوا من الحكم، مما يعكس وجود دولة مؤسسات عميقة تتحمل صراع الأجنحة.
الدليل الثالث: الصراع القوي جدا بين الاطلاعات (وزارة الاستخبارات و الأمن ) و هو جهاز استخبارات حكومي إيراني مستقل، و بين المخابرات التابعة للحرس الثوري، حيث يتمتع كل منهما باستقلالية كبيرة، قد تصل إلى حد تبني خطط متناقضة، فمثلا: في الملف العراقي: قدمت الاطلاعات تقارير للمرشد برفض تمدد الحشد الشعبي في الأنبار، متحدية سطوة الجنرال قاسم سليماني الذي كان مهووسا بالتمدد فيها و تغييرها ديمغرافيا و ثقافيا و عقديا.
في المقابل، يبرز المأزق العربي بوضوح ؛ حيث يجد (الباحث و العالم الكبير و الرمز و الأكاديمي و المفكر) نفسه ضحية منظومات سياسية تفرض عليه سقفا منخفضا جدا للنقاش، و تصبغه بسطحية مفرطة ؛ لذلك يغدو من الصعوبة بمكان إيجاد مساحة أكاديمية عربية حرة تماما لمناقشة ملفات حساسة كالقواعد العسكرية الأجنبية، أو المعونات العسكرية، أو ملفات الساحل و ليبيا، أو الملفات الحدودية الحساسة، دون قيود حكومية أو مراقبة ذاتية خانقة، و قد نستثني من هذا لبنان و تونس بفضل سقف الحرية المقبول و المكفول في النقاشات الحساسة في البلدين.
هذه البيئة السياسية الخانقة للنشاط الأكاديمي هي التي تفسر الغياب شبه التام مثلا (لأساتذة العلوم السياسية و العلاقات الدولية) عن التأثير الحقيقي، مما أدى إلى انقضاض المؤثرين الفارغين على المشهد ؛ ليمارسوا تسطيحا للوعي و تخريبا للمشهد الفكري و الثقافي في المنطقة. لذلك فإن الحديث عن نخبة فاعلة في منطقتنا يظل رهينا بمدى تحرر البيئة الأكاديمية من قيود السلطة و أثقال المجتمع المعادي للعلماء والمثقفين، والانتقال من منطق التبعية والإمعيّة إلى منطق المبادرة المعرفية.
هناك مسألة هامة جدا تتعلق بطيعة المجتمع و الناس في إيران، ففي الوجدان الإيراني، هناك تقديس تاريخي لمفهوم الخبير أو الحكيم أو العالم أو المفكر؛ مثلا: حتى في عز الصراعات السياسية يظل الأكاديمي الإيراني يحتفظ بهيبة معرفية تفرض نفسها على رجل السياسة، و النظام في طهران على الرغم من أيديولوجيته، يدرك أن بقاءه و قوته (النووية، العسكرية، و السياسية) تعتمد على العلماء.
بالمناسبة: لا يقتصر موضوع احتقار العلم و العلماء في منطقتنا على الجانب الرسمي، بل يعاني الخبير و العالم و المفكر من بيئة اجتماعية معادية للعلوم الإنسانية و الاجتماعية و التجريبية. بيئة تحاول انتزاع قيمته التي يستمدها من العلم، و تحاول تصوير العالم كشخص بسيط، و هي ظاهرة منتشرة بقوة عنوانها اغتيال الرمزية، ففي الكثير من المجتمعات العربية، هناك نوع من العداء للعالم أو المفكر أو المثقف أو الاستخفاف بالتخصص، و لا تتفاجأ أن يحاول جاهل مناطحة عالم بكل صلافة محاولا إسقاطه، حيث يُعامل رأي الخبير الذي قضى عمره في البحث بنفس وزن رأي مؤثر على تيك توك ؛ خاصة في ظل توهم العامة بأن العلوم و الثقافة و الفكر و السياسة و التحليل الاستراتيجي مجرد حكايات فارغة و إثارة و سوالف أو وجهات نظر شخصية، و ليست علوما لها أدوات و منهجية، مما يُفقد العالم هيبته و يجعله عرضة للسخرية أو التهميش.
لذلك و قبل أن تنتقد رموز منطقتنا حاول أن تستحضر هذه الحقيقة: كيفية تعامل إيران الدولة و المجتمع مع نخبها و رموزها الفكرية ثم مقارنتها بواقعنا، حيث يخشى بروفيسور يتجاوز عمره العلمي 40 سنة أن يدلي برأيه في ملفات عادية جدا خوفا من رئيس جامعته أو عميد كليته.
* النص مأخوذ من صفحة الفيسبوك للدكتور مقراوي الوغليسي.