قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

لم ينظر مالك بن نبي إلى الأزمة باعتبارها نقصًا في الأفكار، بل خللًا في قابلية المجتمع لتلقّي الفكرة الصحيحة.

بقلم عفاف عنيبة

لم ينظر مالك بن نبي إلى الأزمة باعتبارها نقصًا في الأفكار، بل خللًا في قابلية المجتمع لتلقّي الفكرة الصحيحة. و لهذا السبب باءت محاولات الإصلاح التي انطلقت منذ نهاية القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين، و لا تزال تتكرر إلى يومنا هذا هنا و هناك، بالفشل ؛ لأن المجتمعات المسلمة لم تكن مستعدة للتعاطي الجاد مع الحلول الصحيحة، و لا للعودة إلى الدين باعتباره منهاج حياة يضبط إيقاعها بوعي و رزانة.

و قد ترتب عن هذا الموقف انحطاط عام شمل مختلف الميادين، و الوضع الراهن ينذر بمزيد من الإخفاقات. فدول العالم العربي الإسلامي تحولت إلى جزر منفصلة عن بعضها البعض، و كتل اجتماعية تعيش فردانية منغلقة على ذاتها، و على أطماعها في رفاه مادي لا يجلب لها لا راحة البال و لا الاستمرارية.

لقد رضيت هذه المجتمعات لنفسها بدور مستهلكة لإبداع عالمٍ معادٍ لها، و اجتهدت في التماهي مع الآخر، دون أن تمتلك مفاتيح التطور أو شروط الإبداع. فهي لا تحسن سوى شراء منتجات الآخر، بينما تعجز عن امتلاك أسباب الإبداع و الأصالة و الانتعاش الحضاري. تعيش في حالة تبعية، و لا تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تغنيها علاقة التبعية عن إعمال عقولها أو السعي الجاد إلى التحرر من المعوقات التي تحول دون عودة الروح إلى حضارتها.

هذا الشعور بالتبعية يقتل أي طموح مشروع، و يخنق كل مبادرة واعية، و يستفز كل إدراك يسعى إلى الانعتاق من بوتقة الدونية. فالإنسان المسلم في زماننا ينظر بريبة إلى كل ما من شأنه أن يحرره من الشعور بالنقص، و يرى في هذا المركّب النفسي عاملًا مطمئنًا ؛ لأنه غير قادر على تحمّل تبعات التغيير، و بخاصة التغيير الذي يبدأ من النفس. فقد ترسخ فيه الإحساس بالعجز، و مجرد التفكير في التغلب على انهزاميته يذكّره بحجم التضحيات المطلوبة، فيتراجع و ينكص، و يفضّل الاكتفاء بما هو عليه : حياة مادية فيزيائية بحتة، بعد أن فقد احترامه لذاته، و من يفقد احترامه لنفسه لا يمكن أن ينتظر احترام الآخرين، فضلًا عن أعدائه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى