
من ينظر إلى أحوال المسلمين سيلاحظ فورًا كيف أنهم يعيشون بلا روح و بلا هدف، سوى تلبية احتياجاتهم المادية. تتخرج من الجامعات و المعاهد آلاف الكفاءات و العلماء في شتى الميادين، لكن أين بصماتهم في الواقع المعاش؟ و لماذا لا يزال العالم الإسلامي، و نظام التجزئة العربي تحديدًا، يرزح تحت طبقات من التخلف و الانحطاط الحضاري؟
يعيش كثير من المسلمين الحياة و كأنها نهاية المطاف، بينما هي في الحقيقة مجرد بداية، أما النهاية فستكون يوم البعث و الحساب. فنحن مطالبون بإثبات عبادتنا و توحيدنا لله الواحد الأحد بالأفعال قبل الأقوال، و لم نُخلق لنحيا ثم نموت دون بعث و لا حساب.
و في خضم التدافع الحضاري الذي يشهده العالم، لسنا طرفًا مؤثرًا فيه، بل إن أقصى ما نحسنه هو التلقي السلبي و الاستهلاك السلبي. لدينا مشروع حضاري صالح للإنسانية جمعاء، لكننا غير قادرين على تجسيده لأنه يتطلب فاتورة عالية من الشروط الأخلاقية و الشرعية.
فعلاقتنا بالعالم أصبحت علاقة تلقي و إملاءات؛ فهم يفرضون علينا أنماط المعيشة و الاستهلاك، أما أن نتحول إلى منتجين للمعرفة و مصدرين للحضارة، فذلك أمر لا يبدو واردًا في أجندة القوى المهيمنة، كما أنه مغيب في أذهان كثير من الطبقات الحاكمة.
وكما أشار أستاذ العلوم السياسية و العلاقات الدولية في George Washington University، Marc Lynch، فإن الهيمنة الأميركية على المنطقة لا يمكن تفسيرها فقط بضغط مجلس العلاقات الصهيونية الأمريكية “الإيباك”، بل كذلك بطبيعة تواطيء أنظمة الحكم العربية و المسلمة مع العدو الأمريكي الصهيوني.
و من جهة أخرى، لم نجد من النخب الصادقة الشجاعة الكافية لمواجهة مظاهر الفساد و الاستبداد، ناهيك عن تواطؤ بعض علماء الدين مع الجهات النافذة، إلا من رحم الله. فالتحدي الذي نحن بصدده ليس هينًا. و كما عبّر عن ذلك الإمام الخميني رحمه الله حين دعا إلى المبادرة و عدم انتظار اكتمال جميع الشروط قبل الشروع في التغيير، فإن أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى خطوات أولى و إرادة عملية تتجاوز حالة الترقب الدائم.
فما نجح الإيرانيون في تحقيقه سنة 1979، عجزت عن تحقيقه شعوب كثيرة في العالم العربي رغم تشابه بعض ظروف التحدي. الخلل كامن في عجز إرادي في تفعيل قيم الإسلام و شريعته السمحاء و توحيد الصف و التي تشكل أساس النهضة، كيف نفسر أكثر من مليار مسلم تحكمهم 57 حكومة ؟ كيف يقدر لهؤلاء التوحد تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله و هم يتقاتلون فيما بينهم و يتباغضون و يتنافسون ؟
تلك أسئلة تظل مطروحة على كل من يفكر في مستقبل العالم الإسلامي و إمكانات نهوضه الحضاري.