
لديَّ طبعٌ انعزاليّ، كثيرةُ التأمّل في الطبيعة و في أحوال الناس. فأنا لا أستعمل وسائل التواصل الرقمية، و أعتمد على الإنترنت فقط لمدة معيّنة بغية تحديث الموقع، إمّا أسبوعيًا كما كان، أو يوميًا كما هو الآن.
كوني أقيم في منطقة خضراء، و قد غزاها الإسمنت و نفايات البشر للأسف، إلا أنّ مساحةً بقيت لم تطأها أقدام البشر، و هذه المساحة تمنحني راحةً نفسية و تمكّنني من الابتعاد عن ضجيج الحياة و نسقها اللاهث. فلا أملك تلفازًا، و لا أمضي وقتي مسمّرةً أمام الشاشات.
و منذ عودتي النهائية إلى أرض الوطن، و تمدرسي في سنة البكالوريا (آداب)، و من خلال احتكاكي بزملائي التلاميذ، أدركت سريعًا أنّني مختلفة. نموذجي انعزاليّ كما ذكرت في بداية المقالة، و نظرتي للوجود و لرسالتنا كبشرٍ موحّدين يشوبها الكثير من التميّز عن الذهنيات السائدة في مجتمعات الانحطاط. و هنا لست في معرض تزكية نفسي، لكنني كثيرة التفكير في الآخرة، و في أسباب انحراف المسلم و ضياعه و انحطاط أمّته.
لا زلت أعيش في عالمٍ لم يعرف غزو ثقافة الغرب الرقمية. و لا زلت أنظر إلى الأشياء و الأحداث و الناس من زاوية الحقّ و الباطل. فقيم الحقّ و الجمال و العدل كما أقرّها الله عزّ و جلّ منذ أول يوم خلق سيدنا آدم عليه السلام، لا تزال تحكمني، و أنا متمسكة بها بشدة.
و في زمن الذكاء الاصطناعي لا أنظر إليه على أنه يمثّل خطرًا لي، لأنني بكل بساطة متمسكة بأصالة التوحيد. فالعلم من منظور الإسلام دينٌ يُعلي من شأن الذكاء الإنساني، لكن ليس إلى الحد الذي بلغناه. فالعلم في الغرب اللاديني تجاوز كل الخطوط الحمراء، و كل ما هو مقدّس. و تقضي سنّة الله في خلقه بأن أيّ شيء يتجاوز حدّه ينقلب إلى ضدّه؛ لهذا نحن نعيش تسارع وتيرة الانهيار الكوني.
و ما أراه اليوم عندما أجلس على الأريكة، و دفّتا كتابٍ بين يديّ: أنّ كوكبنا يحتوي على صنفين من البشر؛ صنفٌ غير مسلم و غير مؤمن، يستثمر أمواله و ذكاءه في الحفاظ على ريادة وهيمنة حضارية طاغية، و صنفٌ غالب يعيش بلا هدف و لا رسالة، يجتهد في محاكاة الصنف الأول و يفشل في كل مرة، لأنه تنكّر لأصالته و رسالته التوحيدية.
و هنا تتبادر إلى ذهني ملاحظة وردت عند بول كنيدي و جيريمي ريفكين: إنّ وتيرة التطوّر ستزيد اتساع الفجوة بين الأذكياء النافذين و بين من فاتهم قطار المعرفة والعلم، ولم يهيّئوا أنفسهم لمنافسة كونية غير شريفة.