قصصنظرات مشرقةيهمكم

البستاني الشاب

بقلم عفاف عنيبة

يستفيد المرء كثيرًا من القصص الحقيقية التي تُروى للعبرة ولتقديم جرعة من الأمل للقراء الكرام. هذه القصة تجري في إحدى الدول الغربية، وسأذكر في نهايتها اسم الدولة. وأريد من خلالها إبلاغ شبابنا بأن الفقر والاحتياج والمشاكل الإدارية والعديد من الهموم ليست حكرًا على أبناء الجنوب، بل يتقاسمها معهم أبناء الشمال.

ماتيو شاب من أسرة فقيرة في قرية من قرى دولته الأوروبية، و تقع القرية في منطقة زراعية هجَرها أهلها. أمضى دراسته الابتدائية و المتوسطة و الثانوية بين مسقط رأسه و مدينة كبرى بعيدة عن قريته، حيث كان يقيم عند عمّته. نجح في اختبار الانتقال إلى الجامعة، لكنه لم يدخلها لعدم حصوله على منحة تسمح له بإكمال دراسته العليا، كما أن والده الفقير لم يكن قادرًا على تغطية نفقات الجامعة، و كانت أمه مريضة. شاء الله عزّ و جل أن يموت والده، و كانت منحة التقاعد لا تكفي لسد احتياجات أسرة تتكوّن من أم مريضة و ثلاثة إخوة آخرين. فقرّر البحث عن عمل.

و لأنه كان يحب البستنة كثيرًا، فقد كان يتعلّم هذا الفن على يد بستاني قريته. و عند تقاعد هذا الرجل المسن، أوصى السيّد الثري الذي يعمل عنده بتوظيف ماتيو مكانه، و كان الشاب يعمل في الوقت نفسه نادلًا في مقهى القرية. فقبل الرجل الثري، الذي كان يملك مزرعة على بعد خمسين كيلومترًا من القرية، و عرض على ماتيو الإقامة في المزرعة مقابل راتب معتبر، و وضعه تحت التجربة لثلاثة أشهر ثم ثبّته في منصبه.

أصبح ماتيو يرسل راتبه لأخته، و يزور أمه و إخوته كل نهاية أسبوع. عمل بجدّ و نشاط، و اكتسب سمعة مهنية طيبة لدى سيّده، الذي سأله يومًا إن كان لا يزال يحلم بالدراسة الجامعية، فأجاب بالإيجاب لكن «ليس الآن». و صاحب العمل بدوره لم يكن مستعدًا للتضحية بالبستاني الشاب من أجل دراسته.

تمرّ ثلاث سنوات، ثم تموت أمّه، فيشعر بأن المسؤولية تضاعفت تجاه إخوته الثلاثة. أحدهم حصل على منحة جامعية، و رأى ماتيو أنه من واجبه استقبال أخته الوحيدة في مسكنه المتواضع، أما أخوه الثالث فجرّب حظه في البحرية العسكرية. و هكذا خلا البيت العائلي من أفراد الأسرة، و كان بيتًا مستأجرًا، فسلم مفاتيحه لصاحبه.

بعد سنة، اقترح عليه صاحب العمل المشاركة في مسابقة «أجمل بستان». فقبل الشاب التحدّي، و شارك، و كان الفوز من نصيبه، فحصل على مبلغ مالي لا بأس به، و بدأ يفكر جديًا في مواصلة دراسته الجامعية. شجعته أخته التي كانت قد تخرجت من معهد الشبه الطبي. استأذن صاحب العمل، فنصحه بالتسجيل و الدراسة عن بُعد، و قال له: «إن نجحت في سنتك الأولى فالتحق بالجامعة حضورياً».

لكن مشكلة إدارية حالت دون تسجيله المبكر، و اضطر للتغيّب عن عمله لحلّها، و كانت تتطلب وقتًا، فكان صاحب العمل صبورًا معه. و أخيرًا بدأ الدراسة عن بُعد، و نجح في امتحانات آخر السنة، فسمح له السيّد بالتوقف عن العمل بعد أن يهيّئ بستانيًا يخلفه.

في رحلته إلى المدينة الجامعية، كان يفكر في إيجاد شقة له و لأخته في أقرب الآجال، إذ لم تكن لتنفصل عنه، و قد أوصته أمّهما قائلة: «سلّمها لزوجها و لا تتركها وحدها يا ماتيو». في السنة الثانية من الجامعة، تزوجت أخته، و بقي هو وحده يجتهد عامًا بعد عام حتى نال شهادته الجامعية، ثم تقدم لدكتوراه في علم البيولوجيا. و بعدها حصل على منصب أستاذ مساعد في جامعة العاصمة، و تزوج و هو في الثامنة و الثلاثين من عمره. و ظلّ يحافظ على روابط الأسرة، فكان يزور أخته بانتظام في المدينة الساحلية التي استقرّت فيها، و لم يترك شغفه بالبستنة، فمارسها في حديقة شقته الصغيرة في الطابق السفلي من عمارة بالعاصمة دبلن – إيرلندا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى