
الحمد لله، ليس لديّ أولاد و لا أحمل همومهم، بل أحمل هموم و انشغالات الكتابة المشتعلة النابضة بالحياة و بسؤال النهضة. أخبرني ربّنا تعالى، و أنا بعدُ في العشرين من عمري، أنّي سأكرّس حياتي كلّها للكتابة، و أنني لن أكون لا أمًّا و لا زوجة، بل امرأةً مسلمة تفكّر في النهضة، تطرح أسئلتها، و تعمل على بذر بذور اليقين عبر كتابات و كتب ستبقى بعدي لتشهد على وجودي القصير في دار الفناء.
علمتُ باكرًا أنني سَأمُرُّ على دفّة كتاب الحياة مرورًا لا يستمر في الزمن و المكان عبر نسل، و علِمتُ باكرًا أنني سأجعل من قلمي ومن مداد الكتابة الماءَ الذي سأروي به كلَّ من سيقرأ لي الآن و في المستقبل المجهول.
و أذكر ذلك اليوم الذي غادرتُ فيه متوسطة شكيب أرسلان في بن عكنون، في يوم غائم بارد. ودّعتُ زميلاتي، و سرتُ في الطريق عائدةً إلى بيت العائلة. كان ذلك الطريق ساحرًا، محفوفًا بأشجار الصنوبر، و كانت الغيوم الداكنة تلفّني من كلّ جانب. كنت أمشي و أمشي، و فجأةً فهمتُ — في لمحة قصيرة جدًّا — أن قدري أن أمشي وحدي في درب سيأخذني إلى قبري في تاريخ محدّد، لكنني قبل وصولي إلى حفرة القبر سأكون إن شاء الله قد بلغت…