
بحسب مالك بن نبي رحمه الله: «الدين الذي لا يُنتج فعلًا في الواقع يتحوّل إلى ثقافة ميتة، مهما كانت نصوصه مقدّسة». و هذا بالضبط ما نعاني منه منذ بدايات عصر الانحطاط ؛ إذ لم يعد الدين يمثّل ذلك المعين الذي أنجب الرازي و ابن سينا و جابر بن حيّان، و القائمة طويلة من العلماء الذين برزوا في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، و هم نتاجُ دينٍ جعل من طلب العلم حجر الأساس في عمارة حضارته.
أمّا الدين الذي يُحصر في العبادات، كما هو واقع في بلداننا، و الذي تعزله إرادةٌ سياسية علمانية عن جلّ ميادين الحياة، من القضاء إلى الاقتصاد إلى الاجتماع، فإن مثل هذا الدين لن يقدّم الكثير لمنتسبيه ؛ لأنه دينٌ معزول، و قد قاموا فعليًا بعزله عن الحياة العامة، و حاصروه من كل جانب بدعوى أن الدين مسألة شخصية لا يجب أن تغادر الفضاء الفردي.
و مثل هذا التعامل الفجّ مع الدين و دوره الحيوي صادر حقّنا في العيش وفق منهجٍ أرساه الله عزّ و جلّ منذ أول يوم خُلق فيه آدم عليه السلام. فالدين الذي تنظر إليه النخب السياسية و الجماهير، بما في ذلك بعض الدعاة و بعض علماء الدين، على أنه لا يشمل كل مناحي الحياة، فيضعون له حدودًا لا ينبغي أن يتجاوزها، يُفرَغ من طاقته الإيجابية التي يمنحها للإنسان.
و لهذا لا ترى المجتمعات ضرورةً في تبنّي القيم الأخلاقية للدين، فتتمذهب بالمادية، لتتحوّل المادة إلى قيمة عليا يعمل الجميع على الفوز بها، ساخرين من قيم الدين التي لا تُشبع نهمهم من متاع الدنيا الزائل. و مثل هذا السلوك الاجتماعي الجماعي لا يسمح للدين بإنتاج أفعالٍ تأخذ بالإنسان إلى صيرورةٍ صحيحة. و العيب ليس في الدين، و إنما في الإنسان الذي استبدل السمين بالغثّ.