سياسةنظرات مشرقةيهمكم

من لا يتعلّم من دروس التاريخ القريب، سيسقط حتمًا في الفخ ذاته، عاجلًا أم آجلًا.

بقلم عفاف عنيبة

من ينظر إلى أوضاع السودان و سوريا و اليمن و ليبيا لا يمكنه إلا أن يقف مذهولًا أمام هذا الكمّ الهائل من الشرخ الإنساني و السياسي الذي تعاني منه هذه الدول. و لا يمكن، في الوقت ذاته، إغفال التسريبات و الوثائق التي كشفت عن أهداف خفية لوكالة الاستخبارات الأمريكية، و المتمثّلة في إثارة النعرات المذهبية و العرقية، و تعميق الخلافات الإيديولوجية داخل الشعب الواحد، و العمل على تفكيك التماسك الاجتماعي الداخلي، و الدفع نحو الفوضى، بما يؤدي إلى تفتّت الكيانات من الداخل، و بما يضمن مصالح الغرب و الكيان الصهيوني.

و المحزن حقًا أن دولًا مثل ليبيا و اليمن، التي ثارت شعوبها ضد أنظمة حاكمة فاسدة، لم تتفق على مشروع إصلاحي جامع، و سرعان ما تحوّل الصراع إلى اقتتال داخلي غذّته النعرات القبلية و المناطقية، فازدادت الخلافات حدّة، و كان هذا الانهيار في المقام الأول خدمة مباشرة لأجندات الأعداء. فمن غير المفهوم إزاحة نظام سياسي فاسد ليُستبدل بحالة من الفرقة و الاقتتال.

و هنا ندرك أن الانتفاضات الشعبية ضد فساد الأنظمة – بغضّ النظر عمّا إذا كانت بدوافع داخلية أو بتأثيرات خارجية – لم تمتلك تصورًا جامعًا واضحًا لمرحلة ما بعد إسقاط الفاسدين. و غياب هذا التصور يعود أساسًا إلى الخلافات العميقة بين قوى المعارضة. و من هنا يحق لنا التساؤل: ما جدوى إزاحة أنظمة فاسدة إذا لم يُرجَع إلى المرجعية الصحيحة في الحكم، أي إلى الإسلام بمنهجه و قيمه ؟

و ملاحظة أخرى لا تقل أهمية، و هي غياب الدور الفاعل لعلماء الدين في رأب الصدع، و العمل على نقل الخلافات من ساحات القتال إلى أطر مغلقة للحوار، لا يتأثر بها عموم الناس، حفاظًا على الثقة الاجتماعية، بدل تمترس كل معسكر خلف مطالبه و سلاحه.

فهذا الانقسام القاتل بين أبناء دين واحد – مهما كان الاختلاف المذهبي – أمر غير مفهوم و لا مبرَّر. و ليس في وسع أحد أن يكرر تجارب الحكم الوضعي التي لم تُنتج سوى جماعات فاسدة مستبدة. و من لا يتعلّم من دروس التاريخ القريب، سيسقط حتمًا في الفخ ذاته، عاجلًا أم آجلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى