
اعتبر مالك بن نبي رحمه الله أن المعلّم إمّا أن يكون وسيطًا لفكرةٍ حيّة، أو ناقلًا ميتًا لمعلومات ميتة. و لهذا فإنّ تكوين المعلّم و الأستاذ يكتسي أهمية قصوى في التعليم ؛ فالمنظومة التعليمية لن تتفاعل مع شخص حصل على ليسانس في أيّ مادة، ثم اختار لنفسه عمل المعلّم لأنه لم يجد وظيفة في مجال آخر أو في تخصّصه.
من يعمل بهذا المنطق سيُنتج تعليمًا مريضًا، لأنّ دور المعلّم و الأستاذ محوري في العملية التعليمية.
فالطفل في حاجة إلى مرشدٍ ذكي، و إلى محاوِرٍ مقتدر، و إلى معلّمٍ يُصغي إليه و يتعلّم منه و معه. و إن لم نركّز على أهمية دور المعلّم فسنخسر الكثير، و أول الخاسرين هو التلميذ بالطبع.
إنّ التكوين العلمي و النفسي و البيداغوجي و الروحي و الأخلاقي للمعلّم يسمح له بأن يكون الجسر الذي يمتطيه التلميذ ليصل إلى ضفاف المعرفة بسلاسةٍ و ذكاء. فالمعلّم وحده القادر على تحويل المعلومة و العلم في ذاته إلى وسيلة مثلى لتزويد الطفل بأفضل ما توصّلت إليه العلوم و المعارف.
و سأقدّم مثالًا حيًّا عن المعلّم الناقل للأفكار الحيّة، في مقابل المعلّم الذي يكتفي بنقل معارف ميتة، من خلال ما عايشته في متوسطة شكيب أرسلان ببن عكنون في بدايات الثمانينيات، أي بين 1980 و 1982.
فقد كان لدينا أستاذ في العلوم الطبيعية، فرنسي الجنسية، من ضمن فريق المتعاونين مع الجزائر، و لا أزال إلى اليوم أتذكر لقبه: السيد *فافريFevret*. كان يقترح علينا الدروس بطريقة تختلف تمامًا عمّا اعتدناه ؛ يبدأ مثلًا بسؤال: من منكم صعد جبلًا؟ فنرفع أيدينا، ثم يتابع: و ممّ يتكوّن الجبل الذي زرتموه؟ فنجيب: من تراب و صخر. ثم يسأل: و ماذا لاحظتم على الصخر؟ و هكذا يأخذنا خطوة بعد خطوة إلى صلب الدرس، لنجد أنفسنا نتعلّم على يديه علم الجيولوجيا و طبقات الأرض و بنية الصخر، دون أن نشعر بأننا داخل درس كلاسيكي جامد.
كنّا نخرج من حصصه و نحن في غاية السعادة، و كأننا خضنا مغامرة شيّقة أفادتنا كثيرًا. و قد نجح ذلك الأستاذ في أن ينقل إلينا “الفكرة الحيّة” عبر تحويلنا إلى باحثين صغار، نستعمل ذكاءنا كمجهر يلتقط الملاحظات، و نروي تجاربنا في التسلق و نشرح ممّ يتكوّن التراب و الصخر… إلى أن أصبح تحصيلنا في العلوم الطبيعية ممتازًا بشهادة الطاقمين التعليمي و الإداري في متوسطة شكيب أرسلان.