
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين محمد و على آله و صحبه وسلم و بعد:
يقول الشيخ إبراهيم الرحيلي أستاذ العقيدة في كلية الشريعة في المدينة المنورة:” الحق في اللغة هو المتحقق وجوده، مثل الخبر عندما يطابق الواقع يقال هذا حق، الحقوق إمّا أن تؤدى و إمّا تستوفى المظالم يوم القيامة، فالحقوق لا تضيع، من ضاع حقه في الدنيا، سوف يستوفيه في الآخرة، أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، تستوفى الحقوق، فلا تبقى مظلمة إلاّ قد استوفاها صاحبها من الظالم، أو يعفوا، فسميت حقوق لتحقق وقوعها، أو تحقق العقوبة عليها، في حال المعاقبة.
أوجب الحقوق حق الله تعالى، هذا الحق هو سبب وجود الإنس و الجن، و مدار سعادتهم في الدنيا و الآخرة، فمن عبد الله أفلح و فاز في الدنيا و الآخرة، ومن حاد عن العبادة، و وقع في الشرك خسر الدنيا و الآخرة، لأن وجوده كان لهذه الغاية العظيمة، و هو آكد الحقوق، و العقوبة عليه أعظم العقوبات، لأنّه من فرّط في هذا الحق خلّد في نار جهنم و العياذ بالله، أما حقوق العباد لاتخلّد صاحبها في النار، و لكن تستوفى الحقوق يوم القيامة.
كمال العبد يكون بتحقيقه لعبودية الله تعالى، لا استقرار لنفسه، و لا اطمئنان لروحه و بدنه إلاّ بعبادة الله تعالى، كلما انحرف عن العبادة كلما كان نقصه، لأنّ قوام حياة المسلم و مصالحه في الدنيا و الآخرة إلاّ بطاعة الله عزّ و جل، كلّما كان أعبد لله كلّما كانت حياته أكمل في الدنيا و الآخرة.
قال صلى الله عليه و سلم لمعاذ رضي الله عنه عن حق الله على العباد :{ أن يعبدوه و لا يشركون به شيئا} و العبادة هي كل ما شرعه الله تعالى من أعمال القلوب، و الجوارح، و سائر الشعب الإيمانية، التي شرعها الله تعالى، و الأصل الثاني{ و لا يشركوا بي شيئا}، عامة الناس يعبدون الله، و مشركي قريش كانوا يعبدون الله تعالى، فلم تقبل منهم هذه العبادة، لأنهم أشركوا مع الله، حتى الأصل الثاني لا يكفي وحده ؛ لو وجد رجل لم يشرك بالله لكن لا يعبد الله، فلا يقبل منه، فلا بدّ من الأصلين، عبادة الله تعالى مع الكفر بالطاغوت و السلامة من الشرك، هذا الذي عليه مدار السعادة في الدنيا و الآخرة، و هذا ليس خاص بهذه الأمة، بل هو أصل عام في كل الشرائع { و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت} الشرك مخلّد في النار في هذه الشريعة و غيرها، و الرسل كلهم دعوا إلى التوحيد، و حذروا من الشرك، و وقعت الخصومة بينهم و بين قومهم على هذا الأصل، و هذا الحق أوجبه الله على هذه الأمة و على غيرها، بل عامة الإنس و الجن لم يخلقهم الله تعالى إلاّ لهذا الأصل العظيم.”
هذا و الله أعلم و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.