قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

لا عزلة أشدّ من عزلة أمة فقدت بوصلتها الأخلاقية

بقلم عفاف عنيبة

قال كارل يونغ، بمعنى قوله، إن الإنسان كلما ازداد معرفةً و اتساعًا في الوعي، ازدادت وحدته و عزلته. و هذا القول صائب ؛ فكلما اتسعت معارف الإنسان، و كلما ازداد تأمّلًا و تدبّرًا في أحوال الناس، اشتدّ لديه الشعور بالوحدة.
نحن نعيش في زمن تُحدَّد فيه قيمة الإنسان بموقعه المالي، بينما تُقابَل أخلاق الاستقامة و النزاهة و الصدق بازدراء. و إحدى السنن الكونية تقضي بأن الأمة كلما انحدرت أخلاقها تهاوت نحو الأسفل، و تضاءلت حظوظها في الاستمرار و الديمومة. و الإنسان الذي يكثر التأمل في أحوال الناس يلمس حتمًا مواضع الخلل في البنى الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية لمجتمعه، لكنه لن يكون قادرًا على إصلاح شيء ما لم تنبع إرادة الإصلاح من وعيٍ جماعي، و من داخل المجتمع ذاته.

و قد توهّم المسلمون، عند انسحاب الجيوش الغربية من أراضيهم، أنهم تحرروا نهائيًا من ربقة الاستعمار و الاحتلال، غير أن هذا الشعور كان وهمًا عُلِّقت عليه آمال كاذبة ؛ إذ لم يصنعوا بعد جلاء القوات الأجنبية مصيرًا مستقلًا يحمل بصمتهم و خصوصيات هويتهم و عقيدتهم. و ظنّوا أن استنساخ ما عند المستعمر القديم كفيل بنقلهم دفعة واحدة إلى مصاف الدول المتحضّرة، و تناسوا أن التطور و الازدهار ثمرة اجتهاد ذاتي، لا يقبل التقليد و لا الاستنساخ.

إن المتأمل في واقع الأمة الإسلامية لا يرى إلا ما يبعث على الأسى و الحزن العميق ؛ أمةٌ وحّدتها عقيدة صحيحة قرونًا طويلة، فإذا بها اليوم متفرقة مشتتة، يعادي بعضها بعضًا، و تعيش عالة على العالم بشقّيه المسيحي و اليهودي، بل و على منظومات حضارية أخرى. فإلى أين سيكون مصير هذه الأمة، في عالم تتصاعد فيه وتيرة النمو المادي على جميع المستويات تصاعدًا خطيرًا؟ حروب الغد حروبُ روبوتات، و سلام الغد سلامٌ مفروض، لا رائحة للعدالة فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى