
المشهد العالمي ينذر بصراع على النفوذ بشكل غير مسبوق ؛ فالحروب لم تعد استثناءً، بل غدت وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة. و الكيانات الضعيفة تُستعمل ساحات اختبار، لا أطرافًا فاعلة.
فما خططت له واشنطن و عواصم كبرى هو إدارة الفوضى لا إنهاؤها. و هذا يعني أن فترة الاستقرار النسبي في دول العالم العربي الإسلامي قد انتهت، و أننا مقبلون على زمن نكون فيه قطع شطرنج تحرّكها الدول العظمى وفق حساباتها القومية :
-تُترك النزاعات دون حل
-تُستثمر الانقسامات الداخلية
-و تُستعمل الحروب بالوكالة لإضعاف الخصوم دون كلفة مباشرة
نرى ما تفعله الإمارات في القرن الإفريقي، و تورطها الفاضح في السودان، و كيف صادرت مصير شعبٍ بأكمله باسم بسط نفوذها في بلدٍ و منطقة بالغة الأهمية. و نرى كذلك الدور الروسي المريب في منطقة الساحل، و كيف أن حربها في أوكرانيا دفعتها إلى البحث عن مخارج خارج مجالها الجيوإستراتيجي التقليدي، عبر اتفاقيات تعاون و أخرى أمنية مع دول الساحل التي لم تعرف بعدُ حالة استقلال فعلي.
كما نتابع استعدادات بني صهيون لإعلان حرب على إيران، بعد أن توسعوا في محيطهم الجغرافي دون أن يجدوا من يصدّهم. فلغة القوى الكبرى لغةٌ واحدة: الخضوع لمآربها، و لا حقّ لنا في قول «لا»، و إلا كان الثمن باهظًا.
و ما شجّع واشنطن و موسكو و بكين على هذا السلوك هو حالة الجمود و الركود و الانقسام و التخلّف التي نعاني منها، و التي لم نواجهها بحلول جذرية، بل لجأنا إلى حلول ترقيعية لا تمنحنا مناعة حقيقية ضد التدخلات الاقتصادية و السياسية و العسكرية للكبار.
فدبلوماسية المبادئ لا تنفع في عالم يؤمن بفرض القوة بالإكراه، و في توقيت تتزايد فيه الأخطار البيئية، و تتراجع فيه مصادر الطاقة، و تتسارع فيه وتيرة التطور العلمي، و تتسع فيه الهوة بين طبقة الأثرياء النافذين و طبقة المهمشين.