
قال نيتشه في كتابه “ما وراء الخير و الشر”: «أولئك الذين لا يملكون القوّة ليقاوموا أنفسهم سيظلون عبيدًا طوال حياتهم». و هكذا فهم نيتشه معنى مجاهدة النفس، غير أنّه — و هو الألماني الملحد — لم يقارب هذا المفهوم من زاوية الخطيئة بل من منظور «النفس الأمّارة بالسوء» كما في الرؤية الإسلامية، أي السعي إلى التفوّق على الذات. كانت فلسفته تتسم بالقوة، و بمغالبة الضعف، و بالاجتهاد لبلوغ مرتبة «الإنسان الأعلى». و العجب أنّ هذه الرؤية التقت لاحقًا مع التصوّر الهتلري في تشكيل شخصية الفرد الألماني النازي ذلك التصوّر الذي يجعل الإنسان يبحث عن السمو إلى مداه الأقصى، فيرتقي في سلّم الإنسانية بما يميّزه عن بقية البشر، و يخوّله التحكم في مصائرهم.
كتاب نيتشه “هكذا تكلّم زرادشت” موجود في مكتبتي، و أعدّه ذا قيمة ذهنية وفكرية عالية، و هو فرصة — عبر هذه المقالة المتواضعة — للحديث عن فلسفة القوة الداخلية التي أسّس لها نيتشه في كتاباته و رؤاه. هذه القوة التي أوصانا بها رسول الحق، في قوله — بمعناه —: «المؤمن القوي من يملك ناصية نفسه، و يتحكّم في انفعالاته، من الغضب إلى السخط إلى الانتقام، و سائر الصفات القبيحة التي تدعو إليها النفس الأمّارة بالسوء». إنها القوة التي تحمي الإنسان من نفسه الشريرة، و تحول الشر إلى خير فلا ينجرّ وراء وساوسها. القوة تأتي عن قوّة، لا عن ضعف. إنها إرادة خيّرة قادرة على إحداث فارق في حياة كل فرد. و أظن أن قراءة نيتشه تعيدنا إلى ذواتنا، و تعيننا على نقد ذاتي متبصّر.