
قال المفكر الراحل رحمه الله الأستاذ مالك بن نبي :”إن مشكلتنا ليست في الموارد، بل في الإنسان الذي فقد قابليته في صنع الحضارة”
منذ صغري و أنا أبحث عن أسباب الإنبعاث الحضاري، و في كل مرة أصطدم بسلبية العقل المسلم و كيف عطّل نفسه، أو نراه يستورد وصفاتٍ جاهزة للنهوض منسوخة من تجارب الغرب. و هل الغرب شرق؟ و هل الشرق غرب؟ طبعًا لا.
كلما ناقشت قضية من قضايانا، أجد أمامي فكرًا استورد كل آليات التفكير و ميكانيزمات العمل من الآخر المعادي لنا. و هل يُعقَل أن يمدّ العدو خصمه بالسلاح الذي سيُقضى عليه به ؟ طبعًا لا.
فقداننا للقابلية على صنع الحضارة مؤدّاه فقدان التفكير المستقل الأصيل المتجدد. و مثل هذا الموقف السلبي غير المجدي حرمنا من نهضةٍ مستحقة لأمةٍ هي خير أمة أخرجت للناس. فهل سنظلّ نستجدي أسباب وجودنا من الآخر ؟ هل سنظلّ في حالة تلقٍّ دائم و استهلاك مستمر لما أبدعه غيرنا ؟
و كم مرة قلنا ــ و أعدنا إلى حدّ الملل ــ إننا نملك الموارد المادية و الثروات و الجغرافيا و الفرص للنهوض، لكن المعضلة في عدم مواكبة عقولنا لهذا الكمّ الهائل من الإمكانات. فما العمل؟
استيقظ المارد الصيني بعدما أجرى عملية حسابية دقيقة مكنته من النهوض كحضارة قديمة متجددة. و نحن أيضًا محكوم علينا بإجراء العملية الحسابية نفسها، من دون التنازل عن هويتنا و روحنا و قرارنا السيادي. لقد حافظت الصين على نهجها الشيوعي مع إطلاق العنان لعقول أبنائها في الوقت نفسه ؛ و كذلك نحن، لا بدّ من الحفاظ على خصوصيتنا الدينية و الثقافية، و تحرير العقل من الزجاجة المغلقة.
و هذا التحرر لن يكون إلا بالنضال اليومي، ساعةً بساعة، من أجل بلوغ أهداف بديهية لا يتحقق هدف النهضة دونها : الحكم الراشد، و العدل، و التمسك بالفضيلة. فالورشة ضخمة، و من توكّل على الله فلن يخيّبه.