
كانت عائدة إلى البيت، و في رأسها تتردّد كلمات أغنية “All by myself”. ما إن فتحت باب الشقّة حتى أدركت أنّ عليها أن تشرع في إعداد عشاء سريع، لكن عليها في الوقت نفسه أن تُحضّر شيئًا يحبه هو.
نظرة سريعة إلى الغسالة أكّدت لها أن الغسيل جاهز للنشر على المجفّف الموضوع قرب جهاز التدفئة المركزي، و بحركات قليلة علّقته ليجفّ.
في المطبخ، غسلت الحدّ الأدنى من الأواني، ثم وقفت أمام الثلاجة و ابتسمت:
«سيأكل المرقاز… و في صمت».
حين تجاوز عتبة البيت، استقبله دفء المنزل، و فوجئ بزوجته جالسة في ركن من الصالون، غارقة في كتاب.
– ما هذا ؟ سألها.
– ليس كتاب وصفات طبخ على أيّ حال، إن أردتَ أن تعرف، أجابته ببرود ساخر.
ابتسم و لم يعلّق.
بعد قليل، رافقته إلى المطبخ و قد كانت المائدة جاهزة. جلسا أمام أطباق خرجت لتوّها ساخنة من الفرن، فلم يستطع أن يمنع نفسه من القول:
– لماذا كل هذا وقت العشاء ؟ أنتِ تُبالغين. فكّري في الراحة عندما تنتهين من شؤون الخارج.
رفعت عينيها نحوه و قالت:
– أخبرني، ماذا كان سيكون ردّ فعلك لو وضعتُ أمامك طبق سباغيتي أبيض جاف، لا غير؟
و بصراحة قال:
– لن أكون سعيدًا كثيرًا.
ضحكت، ثم أضافت بنبرة مازحة:
– تراني متأثرة. أمّا عن قلقك على رفاهيتي، فلو كان حقيقيًا فعلًا!
كان يأكل المرقاز، و مع كلمات زوجته كتم ضحكة كادت تخنقه. بيده الحرة أمسك يدها و ضغط عليها بحنان، ثم بعدما ابتلع اللقمة قال بوضوح:
– لديكِ ميل إلى تحويل كل شيء إلى سخرية، خصوصًا عندما يصدر منّي.
ابتسمت و لم تقل شيئًا. آه… الزوج دائمًا يحتاج أن يبدو في أحسن صورة، خاصّة أمام وجبة جيّدة.
أنهيا العشاء في صمت، ثم سألها:
– ماذا ستفعلين هذا المساء؟
– سأقرأ، و أنت؟
– لا شيء… إلا ربما أمرًا صغيرًا.
لم تُعره اهتمامًا، و بعد صلاة العشاء عادت إلى مكانها في الصالون و استأنفت القراءة. فجأة شعرت بظلّ زوجها يحجب صفحات الكتاب. انحنى و قرأ العنوان ثم قال:
– حسنًا! هذا كتاب ثقيل جدًا، و الكاتب لا يثير حماسي.
التفتت إليه و على شفتيها ابتسامة:
– إذن هذا هو “الأمر الصغير” الذي أردتَ فعله: أن تسلبني الرغبة في قراءة هذا الكتاب. يجب أن أعترف بأنك بارع.
تفاجأ:
– بارع ؟ كيف ذلك؟
أخذت وسادة من المخمل و رمتها عليه:
– طريقتك في اكتشاف النبرة الأكاديمية الثقيلة من النظرة الأولى.
ردّ و هو يعيد رمي الوسادة نحوها:
– شكرًا على الإطراء…