سياسةنظرات مشرقةيهمكم

بحسب مالك بن نبي، لقد خرج الاستعمار العسكري، لكنه ترك وراءه «قابلية للاستعمار»

بقلم عفاف عنيبة

بحسب مالك بن نبي، لقد خرج الاستعمار العسكري، لكنه ترك وراءه «قابلية للاستعمار» أخطر من وجوده المباشر، و هي حقيقة نلمسها في واقعنا حتى بعد أكثر من نصف قرن من زوال الوجود العسكري للمحتل. فقد بلغت القابلية لتهميش العقل المفكِّر و المدبِّر حدها الأقصي، في تعارض صارخ مع خصوصيتنا العقدية و التاريخية. فأصبحنا في كل شيء ننسخ الآخر و نقلده تقليدًا أعمى، و تحوَّل مركب النقص الذي نعاني منه إلى سمة لصيقة بذاتنا، و برؤيتنا للحياة، و بفهمنا لدورنا في هذا الوجود.

لقد قبلنا على أنفسنا دور المهزوم المولع بالغالب، الذي يرى أسباب النجاح و الازدهار مرتبطة حصريًا بمعايير و مقاييس وضعها المستعمر القديم، ذلك الذي انسحب عسكريًا ليعود عبر الثقافة، و أنماط المعيشة، و أنماط التفكير. و هكذا قبلنا، طواعية، عملية غسيل دماغ دون أدنى مقاومة تُذكر.

لماذا ؟ لأننا لم نعد ننظر إلى ديننا و لا إلى منظورنا الحضاري بالطريقة نفسها التي نظر بها أولئك الذين شيَّدوا حضارة إسلامية تألقت على مدى ستة قرون، و كانت حلقة وصل بين العصر الوسيط و العصر الحديث. إن الشعور بالدونية تولَّد عن نسق تطور غربي اكتسح العالم و حوَّله إلى قرية صغيرة متشابهة، ففقدنا الرغبة في التميز خشية أن نصبح موضع ريبة أو تشكيك أو عداء.

و لم ندرك أن قابليتنا للتفكير بعقول الآخرين قيَّدتنا و أعادتنا قرونًا إلى الوراء، و أن تقليد الآخر لم يُسهم في تطورنا، بل قادنا إلى التخلي عن قيم الاستقامة لنعتنق أسوأ ما لديه. فصرنا نعيش اليوم بأجساد منفصلة عن عقولها، و عن فكرها، و عن امتدادها الديني و الحضاري. فكيف نُوهم أنفسنا بأننا مستقلون؟ و أي استقلال يُرجى في ظل تبعية ألغت وجودنا كمسلمين ذوي رسالة و واجب حضاري لا يجوز التفريط فيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى