3 – كيف تُستعاد الثقة بالذات الحضارية ؟ و كيف يُعاد بناء العقل المسلم الفاعل لا المقلد؟
بقلم عفاف عنيبة

كيف تُستعاد الثقة بالذات الحضارية ؟ و كيف يُعاد بناء العقل المسلم الفاعل لا المقلِّد؟
كخطوة ثالثة، و بعد استيفاء الشروط المذكورة في النص السابق، لا بد من المراهنة على عاملين أساسيين: التربية و التعليم. فمن دون إنسان واعٍ و محصَّن، لن يكون بوسعنا تحقيق الانبعاث الحضاري.
و هنا يطرح السؤال نفسه: كيف نؤسس لهذا الإنسان عبر التربية و التعليم و نحن لا نملك، في كثير من الحالات، مؤسسات فاعلة و لا حتى نخبًا قادرة على الإشراف على وضع استراتيجية معرفية قوامها الأصالة و التجديد؟ لا ينبغي الجزم بذلك على إطلاقه ؛ ففي عدد من الدول توجد مساحات من الحرية و هوامش حركة يمكن، بحسن استغلالها، أن تُحدث فرقًا ملموسًا.
كما يتعيّن علينا كسر الحدود الجغرافية و النفسية، و الاستعانة بأكثر النخب استعدادًا و تأهيلًا. فمعظم ما نعدّه تحديات—من اختلاف الجنسيات و اللغات، و قلّة الفرص، و تباعد التجارب، و التفاوت في الخبرات—لا ينبغي النظر إليه بوصفه عوائق، بل محفزات لوضع استراتيجية منسجمة تراعي الاختلاف باعتباره عامل إثراء، و تستفيد من تباين الرصيد المعرفي و العلمي من منطقة إلى أخرى.
نحن نتعامل، في نهاية المطاف، مع مادة بشرية قابلة للاستيعاب و الإدراك، و قادرة على توظيف ذكائها للخروج من حالة العدمية. فاختلافنا لا يعني بالضرورة التصادم، بل يفتح المجال لنتعلّم من بعضنا بعضًا. و الاختلاف أمر طبيعي، سواء على مستوى البيئات أو على مستوى الرصيد الحضاري ؛ فلا يجوز، مثلًا، مقارنة العراق، الذي شهد إحدى أقدم الحضارات الإنسانية في التاريخ، بمناطق لم تعرف حضارة مستقلة، بل كانت تابعة تاريخيًا و إنسانيًا لحواضر متقدمة.
و سأكمل هذا الطرح في مقالة لاحقة، إن شاء الله.