قضايا اجتماعيةنظرات مشرقةيهمكم

المرض…

بقلم عفاف عنيبة

في هذه الصبيحة غبتُ عن مكتبي مطولًا، إذ ذهبتُ للقاء صديقة في العاصمة. جاءت بسيارتها، و عندما جلستُ إلى جانبها و هي تمسك بمقود السيارة لاحظتُ هزالها وملامح امرأة كأنها في السبعين من عمرها، بينما هي في الحقيقة أصغر مني. سألتُها عن حالتها الصحية، فقد كنتُ أعلم بأنها مريضة بمرض معقد،  و كانت البارحة في العيادة للمراقبة.
جاءني صوتها واضحًا:
– كنتُ أظن أن مرضي من النوع البسيط على تعقيداته، لكنني علمتُ مؤخرًا، بالنظر إلى التشخيص الجديد، أن مرضي خطير، و إن كان يتطور ببطء، فهذا لا يمنع أنه خطير، و عليّ متابعة العلاج و تسليم أمري لله.

شعرتُ بإحساس عميق بالأسى و الحزن. أعرف صديقتي منذ حوالي ثلاثين سنة، و ليس من السهل أبدًا عليّ معرفة حالتها الصحية الخطيرة. هي لا تزال تعمل، و الحمد لله معنوياتها عالية، و هي تقاوم مرضها بشجاعة، إلا أن كلمة خطير كانت تدوي في رأسي. لم أنتبه أنها، في لحظة ما، نظرت إليّ و لاحظت معالم الجدية الكاملة على وجهي، فحاولت طمأنتي قائلة:
– عفاف، الحمد لله، إلى حدّ الآن إنني بخير.

لم أقل لها: إلى متى ؟ فهذا السؤال بالذات لا جواب له، و الله وحده يعلم كيف يتطور هذا المرض المخيف. شعرتُ حينها بعِظم نعمة الصحة، و ها هي صديقة عزيزة عليّ تُصاب بمرض لا شفاء منه، و الله أعلم. لثوانٍ احتَرْتُ فيما سأقوله لها. طبعًا دعمتُها و شجعتُها معنويًا، لكن صمتي بعد ذلك سبب لي قلقًا، فقلت لها: أعرفك منذ زمن طويل، و أعرف أنك إنسانة تتبعين نمط حياة صحيًا و رياضيًا، فكيف تُصابين بهذا المرض؟ و هل هو وراثي؟
قالت: لا، ليس وراثيًا، و إنما أفراد من العائلة يعانون من هشاشة في هذا العضو الهام و الحساس. نعم، حياتي منضبطة و أكلي صحي، لكن يا عفاف لا تنسي ضغوط العمل خارج البيت، و طبيعة عملي الصعبة جدًا، ثم هذه مشيئة الله، و لا بد من التسليم بذلك و التفكير بإيجابية في العلاج.

وافقتُها بصدق، و عند افتراقنا وبّختُ نفسي: عوض أن أواسيها بكلام مشجع، كانت هي من ترفع من معنوياتي. و عندما أخذ السائق، و أنا عائدة إلى البيت، طريقًا دُشِّن حديثًا، شعرتُ بغضب جامح عندما اكتشفتُ أن الأشغال العمومية شقّت طريقًا سريعًا جديدًا في أرض زراعية ذات تربة حمراء، أي خصبة جدًا.
تمتمتُ: «إلهي، هل يُعقل هذا ؟ التفريط في أرض فلاحية خصبة من أجل ماذا؟ من أجل مزيد من التلوث البيئي الذي تُحدثه السيارات؟»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى