
البارحة زرتُ حيًّا راقيًا في العاصمة، حيًّا تحدّث عنه كتّاب فرنسيون عايشوا فترة استعمار الجزائر، و العاصمة على وجه الخصوص. و قد توقّفتُ في إحدى ساحاته أنتظر صديقتي، و كنت واقفة تحت طوفان من الغيث، غير أنني كنت أستظلّ بمظلّة واسعة، و أرتدي معطفًا شتويًا سميكًا واقيًا، و حذاءً شتويًا يحميني من الماء.
و في تلك الوقفة تأمّلتُ ما حولي، فلاحظت ما يلي: انتابني شعور بأن ما يفصلني عن سكان هذا الحي الراقي هو المسافة نفسها التي تفصل بين كوكب الأرض و كوكب المشتري. نعم، شعور بالغربة القاتلة، ضاق معه نَفَسي. فالناس من حولي يعطونك الانطباع بأنهم يمشون في شوارع نيويورك أو لندن أو باريس* ؛ فلا شيء يربطهم بالانتماء الحضاري الإسلامي الجزائري، لا في المظهر، و لا في الحديث، و لا في الحركة ذهابًا و إيابًا.
حتى نظراتهم بدت باهتة ؛ يمشون دون التفات إلى ما حولهم، غارقين في بحر تأمّلاتهم الداخلية أو همومهم اللامرئية. و فهمتُ حينها، و بعمق، كيف وقع الانفصال عن الهوية الدينية لدى شرائح شعبية ؛ كأنهم نزعوا انتزاعًا انتماءهم الديني، و وضعوا مكانه أقنعة لا تناسبهم و لا تتطابق مع ملامحهم، و مع ذلك تشبّثوا بها و رضوا عنها، رغبةً في الظهور بمظهر الآخر القوي المتحضّر المتطوّر. و أيّ تطوّر هذا؟ تطوّر جعل طبقة السماء تسقط على رؤوسنا.
نعم، المسافة التي تفصلني عنهم كبيرة جدًا، و تتّسع يومًا بعد يوم. الفارق بيني و بينهم أنني أعرف من أين أتيتُ و إلى أين أسير، و أعرف وجهتي، و المغزى من وجودي، و نهايتي التي ليست نهاية بل بداية لحياة أخرى في بُعد آخر. أمّا هم، فليس لديّ أدنى فكرة عمّا يجول في عقول تستورد كل شيء، حتى الابتسامة.
و أعلم مسبقا ان حكمي قاسي جدا لكنه يبقي وجهة نظري…
* منظمة اليونسكو (UNESCO) تشير في تقاريرها حول الهوية الثقافية والعولمة إلى أن التحضّر غير المتوازن قد يؤدي إلى “تآكل المرجعيات الثقافية والدينية” عندما يُختزل التقدّم في المظهر و أنماط الاستهلاك، بدل القيم و المعنى.