
هذه قصة حقيقية من الواقع الجزائري.
في أحد الصباحات، استدعى والد فضيلة، و هو رجل أعمال برجوازي، ابنته إلى مكتبه في قصره الكبير المطلّ على مرتفعات العاصمة الجزائر، و أعلمها بقراره:
– لقد عدتِ من باريس حاملة شهادة الدكتوراه (PhD)، و قد حان الوقت لتستقلي بنفسك. لم أعد مسؤولًا عنك ماديًا.
نظرت إليه مذهولة و قالت:
– كيف ذلك؟ كيف لا تتكفّل بمصاريفي؟ ديننا الإسلام يحمّلك المسؤولية تجاهي*، ثم ما علاقة الدكتوراه بهذا القرار ؟
أجابها بلهجة جافة:
– العلاقة منطقية ؛ عليكِ أن تبحثي عن عمل، و شهادتك تضمن لك دخلًا يفوق دخل وزرائنا. أمّا الإسلام فلا يعنيني في شيء !
كتمت غضبها، نهضت و غادرت مكتب أبيها. كانت يتيمة الأم، و أصغر إخوتها الأربعة. لم تُخبر أختها الكبرى المتزوجة، و لا أخاها الأكبر، و هو أيضًا رجل أعمال و يتقاسم عقلية الأب نفسها. أمّا الأخ الأصغر فكان يستعد لاجتياز امتحان البكالوريا، و لم تُرد أن تربكه في هذه المرحلة الحساسة، ثم ماذا عساه أن يفعل أو يقول ؟ كان عليها أن تعتمد على نفسها.
فكّرت في اللجوء إلى عمّها من جهة الأب، لكنها كانت تعرف جوابه مسبقًا:
«يا ابنتي، أنا على خلاف مع أخي الأصغر. والدك حين أصبح ثريًا نسي الخطوط الحمراء لديننا، خصوصًا في مجال التجارة، و مصدر ثروته محلّ شبهة».
كان الشقيقان لا يلتقيان إلا في المناسبات العائلية، يتبادلان السلام ببرود من دون أن يقطعا العلاقة نهائيًا. أمّا عمّتاها، فكانتا – للأسف – مفتونتين بثروة أخيهما الأصغر، و لم تكونا لتعارضاه مهما كان الثمن.
قضت يومها كلّه في التفكير. فالحصول على عمل بشهادة دكتوراه في بلد لا يملك التكنولوجيا المتقدّمة التي درستها، يعني حتمًا القبول بمنصب أدنى من طموحها. تساءلت بقلق:
«هل عليّ أن أستسلم و أعمل، و أنا التي كنت أتمنى الالتحاق بمركز بحث عن بُعد لمواصلة أبحاثي؟ يا الله، كان عليّ أن أتوقّع أن يُنزِلني أبي إلى هذه المهمّة القاسية، أن أتولّى إعالة نفسي، مع أنّ ذلك واجبه هو، خاصّة و أنني غير متزوجة، و لم أتزوّج بعد رجلًا يُعفيني من تحمّل عبأ النفقة؟».
لكن الوقت كان قد فات، و الشكوى لن تغيّر شيئًا. بعقل عملي، بدأت في الأيام التالية تصفّح إعلانات العمل و نشر طلبات التوظيف. كانت تتلقى ردودًا لدعوات مقابلات، و تذهب إليها على مضض. و في كل مرة كانت تكتشف أن الجوّ العام لا ينسجم إطلاقًا مع معاييرها الأخلاقية ؛ ففرق التوظيف المختلطة كانت مفرطة في الألفة، و جميع الموظفات اللاتي التقت بهنّ يقلّدن حرفيًا أنماط العيش التي تركتها خلفها في باريس. بيئة مهنية متحرّرة إلى هذا الحد لم تكن تناسبها.
و ما كان يثير استياءها أكثر من أي شيء آخر، أنّ أولئك الرجال، أثناء المقابلات، كانوا يلاحظون فورًا طابعها المحافظ، و أدبها الشديد، و سلوكها الصارم. و في أحد الأيام تجرّأ أحدهم و لامها على ذلك، فردّت من دون أن تفكّر في أثر كلماتها على فرص توظيفها :
– أنتم أحرار في تقليد أسيادكم الفرنسيين، أمّا أنا فلست كذلك.
ثم نهضت منهية المقابلة ؛ فهي لا تريد هذا المنصب. لكنّ دهشتها كانت كبيرة حين وجدت بعد يومين رسالة إلكترونية على هاتفها تُعلمها بقبولها في تلك الشركة نفسها. و عندما التحقت بالعمل، صادفت ذلك المسؤول المتغطرس الذي قابلها سابقًا، فتوقّفت و سألته:
– من الذي رجّح كفّة تعييني، من فضلك ؟
فأجابها بفظاظة:
– ليس أنا على أيّ حال.
* وهمًا شائعًا مفاده أنّ الشهادة العلمية تُسقط الواجب الأخلاقي والشرعي، و هو خلط خطير بين الاستقلال المهني و القطع القسري لمسؤولية الأسرة. علم النفس الاجتماعي الحديث يبيّن أن هذا النوع من القطيعة القيمية يولّد صراعات داخلية حادّة لدى الأبناء، خصوصًا النساء، حين يُدفَعن إلى العمل لا بدافع الاختيار بل بدافع الإكراه.