كم سياسيًّا يُقصى لأنه قال: «لا»؟ و كم نظامًا لا يقوم أصلًا إلا على استحالة قول هذه الكلمة ؟
بقلم عفاف عنيبة

ما الذي أفسد الأنظمة السياسية في عالمنا؟
إنه المال الذي يشتري الضمائر و الذمم. و كم سياسيًّا يُقصى لأنه قال: «لا»؟ و كم نظامًا لا يقوم أصلًا إلا على استحالة قول هذه الكلمة ؟
نحن نعيش في عالم بات فيه النظام السياسي فاسدًا، سواء كان هذا النظام في أمريكا أو في مصر؛ فلا فرق في الجوهر. فبهرج الديمقراطية في واشنطن ليس إلا بهرجة، بينما الاستبداد و الفساد السياسي في عالمنا الإسلامي فاضح لا يحتمل التزيين. فالأنظمة الفاسدة في دولنا لا تتكلف عناء ارتداء الأقنعة، بل تعلن فسادها جهارًا، و تزعم — دون مواربة — أنه لولا فسادها لكان العالم المتقدّم تحت وطأة «الإرهاب».
أليست هذه هي الحجة نفسها التي يحتمي بها رؤساء «العالم الحر» المزعوم؟
إنهم يبرّرون الاستبداد و الفساد في الجنوب بحجة حماية أنفسهم من نظام سياسي أكثر عدلًا، نظام قادر — لو وُجد — على زعزعة غرورهم و عنجهيتهم.
في الغرب، و على العموم، بدأ أشخاص يدركون عمق الخطر الذي يتهدّد مجتمعاتهم، فشرعوا في التحرك بشكل فعّال، على شاكلة تاكر كارلسون و ستيف بانون، و كثيرين غيرهم لا نعرف أسماءهم. و هم لا يفعلون ذلك انتصارًا لنا، بل دفاعًا عن قيم حضارتهم و مصالح مجتمعاتهم، و لا يُنتظر منهم غير ذلك. و لماذا عليهم أن يفعلوا أكثر؟ فكل أمة تُنقذ نفسها بنفسها، و لا تنتظر خلاصها من حضارة منافسة أو مناوئة.
من هذا المنطلق، فإن ما يجري حاليًا في الولايات المتحدة من تململ متزايد ضد سطوة المال و نفوذ الأقليات النافذة يُعدّ بشارة لشعوبهم، و ربما لنا أيضًا. غير أن العمل الأكبر، و المهمة الأهم، تقع على عاتقنا نحن: أن ننقذ أنفسنا بعقولنا، و بذكائنا، و برصيدنا الحضاري.
و لا أدري: هل نحن قادرون هذه المرة على تطليق السلبية، و التعلّم من درس شرفاء الغرب و عقلائهم؟