حذر مالك بن نبي رحمه الله، من تحوّل الدين من قوةِ ضبطٍ أخلاقي إلى أداة فوضى، حين يُنزَع من سياقه المقاصدي و السنني
بقلم عفاف عنيبة

فقد حذر مالك بن نبي رحمه الله، من تحوّل الدين من قوةِ ضبطٍ أخلاقي إلى أداة فوضى، حين يُنزَع من سياقه المقاصدي و السنني. و هذا بالضبط ما نعيشه منذ عقود، في طول و عرض عالمنا الإسلامي. فقد نشرتُ البارحة مقالًا حول عملية تفجير إجرامية استهدفت مسجدًا في مدينة حمص، و تبنّت ذلك الاعتداء جماعة تُسمّي نفسها «سرايا أنصار السنة».
و إذا قمنا باستعراض الأوضاع السياسية في عدد كبير من الدول المسلمة، وجدنا أن جلّ النزاعات المسلحة تعود إلى جماعات إجرامية تدّعي أنها تجاهد باسم الدين. لكنها في الحقيقة لا تجاهد إلا المسلمين ؛ بدل أن تنتظم في طلب العلم الديني و الدنيوي، و تنفع به المسلمين عبر معاهد و جامعات و مراكز بحث، و توعيةٍ تُسهم في نهضتهم.
إن هذا التوجّه الإجرامي، الذي يحوّل الدين إلى عنوان للقتل الهمجي و نشر أسباب الفرقة بين أتباع دين واحد، ينسف من الداخل أي فرصة للانبـعاث الحضاري. فرسول الحق ﷺ بُعث رحمةً للعالمين، و الاختلاف المذهبي لا يبرّر المجازر التي ارتُكبت و لا تزال تُرتكب في العراق و سوريا.
فكيف غُيِّبت المقاصد الكبرى للإسلام، و في مقدّمتها حفظ النفس، و العقل، و النسل، و المال، و المجتمع ككل؟ و كيف يُسمَح لأي جماعة أن تدّعي تمثيل الدين، و تنزل باسمه سيف الحجاج على رقاب المسلمين؟
نحن اليوم أمام مفترق طرق خطير. فإن لم ندرك بعد أن الدين يقنّن لكل صغيرة و كبيرة في حياتنا، و يحثّ على مكارم الأخلاق، و يعين على عمارة الأرض و القيام بمهام الاستخلاف، و يدعو إلى التسامح مع أهل الكتاب الذين لم يقاتلونا، فكيف لا نُقِرّ بوجوب التسامح و التكافل و التعايش بين المسلمين أنفسهم؟
إننا أمة مهدّدة بالزوال، و كيانات دولنا لن تصمد طويلًا أمام هذه الهمجية التي شوّهت الإسلام تشويهًا بالغًا، حتى أصبح كثير من الناس ينفرون منه. و تقع المسؤولية الكبرى على عاتق علماء الإسلام الأمناء، المستقيمين، و المستقلّين عن السلطات ؛ إذ إن معظم الدول المسلمة تحكمها أنظمة فاسدة، من مصلحتها تشويه الدين، و ترى في هذه الجماعات المسلحة المتطرّفة سندًا وظيفيًا لوأد أي مشروع نهضوي يُعيد للدين دوره الفاعل في حياة المجتمعات.
و لا بدّ للعلماء النزهاء من التصدّي الصريح لظاهرة التأويل الخاطئ، و توظيف النصوص الدينية لأغراض إجرامية بحتة. فلا يحق لأحد قتل نفس مسلمة باسم الدين، و لا التوسّع في مفهوم الردّة، و لا محاكمة الناس على نواياهم. فإن لم ينهض العلماء بمسؤولياتهم العقدية في حماية كيان المجتمع المسلم، فلننتظر الأسوأ.