
بالعودة إلى كارل غوستاف يونغ، فقد بيّن في أعماله الأساسية، مثل Modern Man in Search of a Soul، أن ازدياد الوعي يفرض على صاحبه مسافةً نقدية من السائد، و هذه المسافة تُنتِج بالضرورة شعورًا بالوحدة.
فالوحدة التي يشعر بها المسلم الواعي بضخامة التحدي الحضاري الذي يواجه أمته مؤلمة، لأنه يجد نفسه بين خيارين أحلاهما مرّ:
إما الصمت، فلا أحد يعير تحذيراته الأهمية الضرورية لتفادي الكارثة المقبلة،
و إما التحرك من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، و في هذه الحالة لن يفهم أحد تحركه، و لن يمدّ له أحد يد العون ؛ لا لأن الوعي بالخطر المحدق غائب، بل لأن المخرج الحقيقي للأزمات المركبة مرفوض.
فالمجتمعات المسلمة، داخل كل مجتمع على حدة، تضم قوى تتصارع و تتدافع و لا تثق ببعضها البعض، فكيف يتحقق الإنقاذ؟ إن هذا التصادم في جوهره ناتج عن طروحات حلول متعارضة، مع إقصاء القاسم المشترك بين الجميع، ألا و هو الدين. و كل مشروع يتعارض مع الإسلام محكوم عليه بالفشل، لأن خالق الكون وضع قوانين سننية ثابتة غير قابلة للاستبدال، و التمرد عليها لا يفضي إلا إلى المزيد من الانهيار. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62]
و لهذا، فإن من يعرف أكثر من غيره يكون موقفه أصعب ؛ يرى ما لا يراه الآخرون المنغمسون في الحياة انغماسًا لاهثًا لا مباليًا. و السؤال الجوهري: ماذا بوسعنا أن نفعل و نحن نعلم ما لا يعلمه الآخرون، و نعي حتمية التغيير الجذري الذي وعدنا الله به في القرآن الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم : ﴿وَ إِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]بأن يُستبدل قوم بقوم آخرين يتمتعون بحالة من السواء الحضاري، قادرين على رفع التحدي، و تحمل مسؤولية العبودية الكاملة ؟
نعم، للزيغ عن الصراط المستقيم نهاية.