قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

بحسب مالك بن نبي : المجتمع الذي يفقد إرادة الاستقامة يفقد تلقائيًا شروط النهوض

بقلم عفاف عنيبة

يرتبط مفهوم القابلية للاستعمار لدى مالك بن نبي بما يسميه الاستقالة التاريخية، حيث يتوقف الإنسان عن التفكير في مصيره، و يكتفي بدور المتفرج أو المستهلك. و مثل هذا الموقف السلبي من المسلم قوض حظوظه في النهضة و الانبِعاث، إذ تحوّل من فاعل في التاريخ إلى مفعول به. و قد انتقلت هذه الاستقالة النفسية من جيل إلى جيل، و لم تُنتج إلا مزيدًا من الانحدار و تدهور الأوضاع.

فمن يقتل إرادة الاستقامة لدى المجتمع المسلم يكون قد نجح في ترويضه و ضمان الهيمنة عليه. فالفرد المسلم، إن لم يقاوم الشعور بالدونية، و لم يدرك أن الرخاء الحقيقي وليد الاجتهاد و جهاد النفس الأمّارة بالسوء، و أن مآله في الدنيا مرتبط بمآله في الآخرة، يصبح وجوده و عدمه سواء.

إن فاقد الرغبة في الاستقامة، و غير الملتزم بقيم الفاعلية التي تمكّنه من الخروج من دائرة التبعية الذليلة، يظل فردًا سلبيًا، و لن يكون عضوًا نافعًا في مجتمعه، بل يورث أبناءه عالمًا غير عادل و حياة فارغة. و المسلم الذي يقبل على نفسه المهانة و الذل لا يحق له التذمّر أو الشكوى من الأوضاع غير السوية التي يعيشها.

فالمجتمع الفاعل المُنتِج يتكوّن من أفراد فاعلين يقظين، بينما حال كثير من مسلمي هذا الزمان أنهم يريدون أفضل شروط العيش دون أدنى مشاركة منهم. إن توفير شروط النهضة الحضارية مسؤولية الأفراد و الجماعات معًا، و هذه الشروط لا تنزل من السماء، بل تُصنع بوعي، و يتطلب تحقيقها قدرًا عاليًا من الانضباط و الاستقامة الأخلاقية و تضحيات جسام. و من لم يقدِر على ذلك، فليقبل بحاله، و ليكفّ عن ادعاء المظلومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى