قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

تحوُّل المسلم من فاعل إلى مفعول به ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هو نتيجة مسار نفسي–أخلاقي طويل

بقلم عفاف عنيبة

تحوُّل المسلم من فاعل إلى مفعول به ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل هو نتيجة مسار نفسي–أخلاقي طويل. و وفق هذا المعطى جاءت فكرة مالك بن نبي القائلة: «المجتمع الذي يفقد إرادة الاستقامة يفقد تلقائيًا شروط النهوض». فالكسل الفكري و العقلي الذي أصاب المجتمعات المسلمة أوهمها بأن الخروج من أزماتها أمر يتجاوز قدرتها، فاختارت حالة اللافاعلية و الركود و الجمود، و اعتبرت أن المسؤولية لا تقع على عاتقها.

غير أن هذا العذر لا يليق بأمة رسالية، و إن كان لا بد من التوقف عند الظروف و العوامل التي دفعت الفرد و الجماعة إلى حالة القابلية للاستعمار. فهذه الاستقالة الجماعية لم تنشأ من فراغ، بل كانت نتاج أنظمة سياسية فاسدة استولت على الحكم قسرًا، و كان همّها الأول تنويم الشعوب، و توفير حدٍّ أدنى من الخدمات مقابل قمع أي حركة انبعاث واعية.

لقد اعتادت الشعوب المسلمة التواكل لأن من يسوسها أراد لها ذلك، و وفّر كل أسباب الاستقالة، و كان بالمرصاد لأي محاولة إحياء، فقلّص دور الفرد و الجماعة عبر زرع الخوف و الرعب في صفوفهم. و قد أثبتت الدراسات التاريخية أن المجتمعات المسلمة قبل الاحتلال الغربي لم تكن تعرف نظام حياة أو حكم خارج الإطار المستمد من الإسلام، لكن بعد الاستقلال الصوري، ومع تأثر النخب الثائرة بإيديولوجيات وضعية مستوردة، سُمِّمت العقول، و حُوِّل الانتماء الحضاري إلى الإسلام من مصدر قوة إلى كابوس، و صُوِّر على أنه ظلامية تهدد الشعوب.

و قد زاد هذا الطرح من نفور الناس من الدين، و امتلأت الساحة بصراعات إيديولوجية من اليسار إلى اليمين، حتى بات آخر ما تفكر فيه النخب هو العودة إلى الأصل، إلى المنبع الذي كان سببًا رئيسيًا في ازدهار المسلمين: الإسلام بوصفه شريعةً و نمطَ معيشةٍ و منظومةً حضاريةً شاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى