
الهدنة في غزة غطّت على فشل المسلمين في فرض حقّ الفلسطينيين في دولتهم. فمضامين الهدنة، أو ما يُسمّى بخطط السلام الأمريكية، لم تُطبَّق معظم بنودها حتى اليوم، و لم تُجب عن المطلب الجوهري للفلسطينيين، و هو قيام دولة مستقلة ذات سيادة.
فقد عاد الاحتلال الصهيوني إلى غزة بعد انسحاب شكلي، مع بقائه مسيطرًا على المعابر لأكثر من عشرين سنة، ليصبح الاحتلال الحالي احتلالًا دائمًا لا ظرفيًا. و قد حوّل الوسطاء، من بعض دول الخليج و تركيا، مطلب السيادة و الاستقلال إلى صفقات استثمارية، تُدفن من خلالها حقوق تقرير مصير شعب مسلم و مسيحي معًا.
كل التضحيات التي قُدّمت يُراد لها أن تُنسى من أجل أطماع أنظمةٍ حاكمة ترى في فلسطين ورقة تفاوض و ربح، لا قضية تحرر. أشلاء عشرات الآلاف من الشهداء و الشهيدات، و مئات الآلاف من الجرحى و المعاقين و الأسرى و المنفيين، منذ ما قبل 1948 إلى اليوم، تُختزل في حسابات مالية و سياسية ضيقة.
إن نظام التجزئة العربي اليوم يعاني إفلاسًا أخلاقيًا و سياسيًا و اقتصاديًا. فبضعة آلاف من الأمراء الحكّام يديرون شؤون أمة كاملة بذهنية التاجر الذي يبيع و يشتري، بينما آخر ما يشغلهم هو الرسالة الخاتمة التي كُلّفوا بحملها، و تحرير العالم العربي-الإسلامي من قبضة الصهيونية.
و يظنّ هؤلاء أن زمام الحكم بأيديهم إلى ما لا نهاية، و هو وهم آخر. فالأوضاع، من فلسطين إلى أبعد نقطة في عالمنا، لن تبقى على حالها. إن تصاعد الطغيان و الفساد ينتهي، آجلاً أم عاجلًا، بانقلاب الأوضاع ضد المستبدين. فمن يظن أن المال و التكنولوجيا يضمنان له الخلود على كرسي الحكم يتجاهل حقيقة سننية ثابتة: *من انصرف عن العدل الإلهي و ناصب السنن الربانية العداء فهو إلى زوال.