سياسةنظرات مشرقةيهمكم

التطبيع انخراط في إعادة إنتاج الهزيمة أخلاقيًا

بقلم عفاف عنيبة

لا يبحث نظام التجزئة العربي في كيفية تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، بل انصبّ اهتمامه، منذ سبعينيات القرن الماضي، على تبرير الاحتلال و تمريره سياسيًا و أخلاقيًا. و قد جرى تسويق خطاب التطبيع عبر اتفاقيات اعتراف رسمية بحق الحركة الصهيونية في أرض فلسطين، مع الترويج لخطاب “السلام” و“التعايش” و“الحوار”، مع مشروع استيطاني يهودي صهيوني إحلالي قام على اغتصاب الأرض و تهجير شعبها المسلم و المسيحي.

لقد رُوّج لفكرة أن اليهود الصهاينة أحقّ بفلسطين بدعوى وجود تاريخي يعود إلى آلاف السنين، متجاهلين أن هؤلاء جاؤوا من شتى أنحاء العالم ليستولوا على أرض ليست لهم، و طردوا أهلها الأصليين بالقوة. و يتحمل نظام التجزئة العربي مسؤولية مباشرة في ترسيخ هذه الأكاذيب و المفاهيم المغلوطة، حين خلط عمدًا بين التعايش الإنساني المشروع، و بين شرعنة الاحتلال.

فكيف يُطلب من شعب واقع تحت الاحتلال أن “يتعايش” مع من يغتصب أرضه و ينتهك حقوقه ؟ و كيف يُفرض عليه خطاب الحوار في ظل القتل و الحصار و التهجير؟ مع العلم أن الغالبية الساحقة من يهود العالم، سياسيًا أو مؤسساتيًا، دعمت كيان الاحتلال، باستثناء أقلية معروفة تبرأت منه و من جرائمه.

و في هذا السياق، تساءل الإعلامي الأمريكي توكر كارلسون عن مدى صحة الادعاء الصهيوني الحصري بملكية فلسطين، مشيرًا إلى أنه لا توجد أدلة جينية تثبت أن اليهود الذين يعيشون في إسرائيل اليوم هم أنفسهم الذين ورد ذكرهم في النصوص الدينية القديمة، كما تساءل عن الأساس الذي يتيح لأي جماعة إثنية الادعاء بحق حصري في أرض ما.

أما من الناحية المبدئية، فإن الخطاب القرآني واضح في التمييز بين السلم و العدوان، و بين التعايش المشروع و مقاومة الاحتلال. و قد تجاهل نظام التجزئة العربي حقيقة تاريخية-حضارية ثابتة: من يرث أرض فلسطين الإسلام و ليس اليهودية، فالإسلام الدين الصحيح و الخاتم و طبقا لذلك فلسطين ليست يهودية بل مسلمة فتحها سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه و ينبغي أن تبقي في حراسة الإسلام و عاشت قرونًا تحت حكمٍ الإسلام حفظ حقوق المسلمين و المسيحيين و اليهود معًا..

إن الموقف الرسمي العربي الداعي إلى التطبيع، بل و الممارِس له فعليًا، هو موقف يتهرب من مسؤولياته التاريخية و الأخلاقية، و يبرر ما لا يمكن تبريره، لا باسم الواقعية السياسية، و لا باسم السلام، و لا باسم المصالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى