قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

ليست القطيعة الحضارية قضاء و قدرا

بقلم عفاف عنيبة

بحسب مالك بن نبي رحمه الله:
«عندما يتوقف المجتمع عن أداء رسالته، يصبح التاريخ عبئًا عليه بدل أن يكون قوة دافعة»
(مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي).

و هذا بالضبط ما نعيشه منذ بدايات عصر الانحطاط ؛ إذ توقّفنا عن التفكير، و عن الإبداع، و عن الإنتاج. فالاحتلال الأجنبي الذي رافق بدايات الانهيار غرس فينا حالةً من الإحباط المستمر، أدّت بنا إلى إهمال و ازدراء ما نملك من رسالة، حتى بعد انسحابه العسكري. ثم لجأنا إلى نسخ أنظمة حكم من الشرق و الغرب، لم تفلح في انتشالنا من التخلّف، بل ازدادت أوضاعنا سوءًا.

لقد قلّدنا ما عند الآخر الأجنبي دون أن ننجح في تمثّل روحه، إذ يستحيل على أمة أن تتنكر لذاتها و جذورها تنكّرًا تامًا، ثم تتحوّل إلى نسخة باهتة لأمم أخرى. و كان هذا التوقف عن أداء رسالتنا كمجتمعات مسلمة مؤدّاه تراجعًا حضاريًا شاملًا.

فبعد الاستقلال الصوري، لم نستعد تلك الكتلة الحضارية التي مزّقها الاحتلال الغربي شرّ تمزيق، بل تحوّلت الحدود إلى عامل تفرقة. و لم نستبدل قوانين المستعمر بقوانين مستمدّة من شريعتنا الإسلامية، فعشنا قطيعة حضارية مع تاريخنا و نسق تطورنا، الذي تباطأ بفعل عوامل موضوعية، لكننا لم نعمل بعد الاستقلال على إعادة ربط أنفسنا بالبعد الحضاري الملازم لهويتنا العقدية.

و جاء الحكم الوضعي لطبقة سياسية فاسدة، فاقدة للبوصلة العقدية و الأخلاقية، ليعمّق الاستقالة الجماعية و حالة الإحباط النفسي. و كل ذلك جرى تحت أنظار غربٍ يتطور بوتيرة متسارعة جدًا، فنما لدينا شعورٌ بأن اللحاق بركبه، بل و تجاوزه، أمرٌ مستحيل.

غير أن هذا الشعور، رغم كونه وليد تداخل عوامل عديدة، ليس قضاءً و قدرًا محتومًا. فالنهوض ممكن، و تفعيل طاقة الإيمان يعيننا على أداء دور إيجابي في محيطنا و نكون بذلك قد غيرنا شيء ما إلي الأفضل. و إذا بدأنا، على المستويين الفردي و الجماعي، في التفاعل الملموس مع واقعنا، نكون قد خطونا خطوات صحيحة نحو المخرج السليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى