
نحن دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي بقدرٍ كبيرٍ جدًّا من التخلف. و إذا ما عدنا إلى الخلف بحوالي خمسين سنة، سنلاحظ الإرباك الذي عشناه مع انطلاق شبكة الإنترنت، و كيف أن وتيرة التطور في العالم المتقدم فرضت علينا التعامل القسري مع ثورة رقمية مذهلة، من اختراع عقول غير مسلمة، و كان ارتباكنا آنذاك مصحوبًا بقدر كبير من الجهل بمخاطر الإنترنت و بكيفية التعامل معه.
و اليوم نحن مجددًا أمام تحدٍّ جديد. ففيما مضى كان الذكاء الاصطناعي محصورًا في حيّز ضيق، كالصحة أو إشارات المرور، أما الآن فقد دخل حياتنا دون استئذان، و الخوف كل الخوف من مضامين هذا الذكاء. فلا يجب أن ننسى أن من اخترعه لا يوحّد الألوهية*، و لا يعترف بخطوط حمراء ثابتة، و أن الغرب، بمؤسساته، لا يزال إلى اليوم يناقش أخلاقيات استعماله و محاولة ضبطه في نطاق محدد. فالإتحاد الأوروبي يناقش “قانون الذكاء الاصطناعي” (EU AI Act) بسبب المخاطر الأخلاقية و الاجتماعية، ما يؤكد أن حتى المنتج الأصلي للتقنية لم يحسم أمرها أخلاقيًا.
و السؤال الذي يطرح نفسه: هل سنستورد الذكاء الاصطناعي و نترك التعامل معه مجالًا مفتوحًا بلا سياج قانوني و أخلاقي ؟ فنحن، بين عالم متقدم و عالم في طور البروز، نظل دولًا متخلفة، و غير مهيئين للأتمتة كما بشّر بها روادها.
و أذكّر هنا بما جاء في كتاب “نهاية العمل” للخبير الاقتصادي الأمريكي جيريمي ريفكن عندما تناول موضوع الأتمتة التي ستحيل مئات الملايين من الموظفين و العمّال إلى التقاعد المبكر ؛ إذ يؤكد أن هؤلاء سيرثون وقت فراغ هائلًا، و أن الإنسان بلا وظيفة و لا عمل يؤديه سيعيش أزمة نفسية خطيرة، و أن علاج هذه الأزمة ضرورة من الأولويات. غير أننا لم نصل بعد إلى تلك المرحلة أصلًا.
الأخطر في عالمنا هو الكسل الذهني الذي نعاني منه منذ أكثر من أربعة قرون، و الذي لم يُفضِ إلى نهضة حضارية. فماذا سيحل بنا إن استغنينا عن التفكير، معتمدين في ذلك على الذكاء الاصطناعي؟ فتقارير MIT و Stanford AI Index 2024 تشير إلى أن المجتمعات غير المؤهلة معرفيًا ستكون الأكثر تضررًا من الأتمتة الذكية.
إن الإشكاليات الأخلاقية التي يثيرها عصر الذكاء الاصطناعي كثيرة، و إن لم نبادر إلى وضع معالم واضحة في التعاطي معه، سندفع الثمن غاليًا.
*اليونسكو (UNESCO) في توصيتها حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021–محدَّثة 2024) تقرّ صراحة بأن الذكاء الاصطناعي يحمل تحيزات ثقافية و قيمية نابعة من بيئة تطويره.