قضايا حضاريةنظرات مشرقةيهمكم

أدرك المسلمون غير العرب معنى الاستقلال الحضاري بوصفه شرطًا لتعزيز السيادة السياسية و الاقتصادية

بقلم عفاف عنيبة

من الأهمية بمكان القيام بمقارنة تحليلية للتطوّر الاقتصادي بين دولٍ مسلمة غير عربية، مثل ماليزيا و تركيا و إيران و كازاخستان و إندونيسيا، و بين دولٍ عربية مثل مصر و العراق و السعودية و تونس.
و سنلاحظ ما يلي:

نوع الاقتصاد في الدول المسلمة غير العربية اقتصاد إنتاجي تصنيعي، بينما هو ريعي خدمي في الدول العربية المذكورة أعلاه.
دور الدولة في الفريق الأول يقوم على التوجيه الاستراتيجي، في حين ينحصر في الفريق الثاني في الضبط و التوزيع.
من ناحية التكنولوجيا، تعتمد دول الفريق الأول على توطينها و تكييفها، بينما تكتفي دول الفريق الثاني بـ استيرادها و استهلاكها.
أما القرار الاقتصادي، فهو مستقل نسبيًا في المعسكر الأول، و تابع في المجموعة العربية.
كما أن علاقة الاقتصاد بالسيادة علاقة عضوية في الفريق الأول، بينما هي مفصولة في الدول العربية.

لقد بدأت الدول المسلمة غير العربية بفكرة النهوض الحضاري، و لم تنتظر نظام حكم مثاليًا أو حالة رفاه مكتملة، في حين تعاني الدول العربية من قطيعة بين الاقتصاد و الهوية، و تخشى المبادرة الحرة، و تشكو التبعية الفكرية والمالية في آن واحد.

فكيف يمكن تفسير هذا التوجه لدى الحكومات المسلمة غير العربية ؟
يُفهم ذلك في إطار وعيها بضرورة ضمان حدٍّ أدنى من الاكتفاء الذاتي، و البدء في ترجمة تصور النهضة الحضارية إلى أرض الواقع، عبر أدوات و عقول محلية و تخطيط ذكي يعتمد على الموارد البشرية و المادية، دون الوقوع في الكمّ الهائل من الصعوبات الهيكلية و البيروقراطية التي تتخبط فيها دول العالم العربي.

لقد أدرك المسلمون غير العرب معنى الاستقلال الحضاري بوصفه شرطًا لتعزيز السيادة السياسية و الاقتصادية، بعيدًا عن الشعارات التي تتغنّى بها بعض الدول العربية دون تجسيد فعلي لها في واقع الشعوب.
و يبقى السؤال الجوهري: لماذا تصدّت دول مسلمة غير عربية لمعضلة الانبعاث الحضاري، و لم تفعل ذلك دول عربية ؟

فالأمم التي قبلت مشقة الاستقلال الفكري، قبلت لاحقًا مشقة الاستقلال الاقتصادي، أما التي اكتفت باستهلاك منتجات الآخرين و أفكارهم، فقد قبلت – دون إكراه – دوام التبعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى