
كانت قد نالت شهادة البكالوريا في الأدب بتقدير، و قرّرت أن تسجّل في التعليم العالي عن بُعد. و حين علم والدها بقرارها، قطّب حاجبيه و قال:
– لماذا عن بُعد، و الكلية المركزية لا تبعد سوى عشر دقائق عن منزلنا؟
– لأنني أريد أن أدرس على وتيرتي، بهدوء في البيت، بعيدًا عن الاختلاط المريب، و لأنني يجب أن أساعد أمّي في الأعمال المنزلية، أجابته ابنته.
فردّ عليها بلهجة صارمة:
– يا ابنتي، التزامك الديني لا ينسجم مع حداثة عصرنا.
امتنعت عن الرد، و نهضت عن المائدة لتقوم برفع الأواني.
كانت الكبرى بين إخوة ثلاثة: أختين و أخ، و تتحرّك داخل محيطها العائلي بوعيٍ حادّ بواجباتها الدينية. و رغم أن إحساسها الأخلاقي كان يجرّ عليها عزلة كبيرة، فإنها كانت تلتزم به التزامًا صارمًا. وك انت تقول لأختها الصغرى التي تسخر من تدينها الصادق:
– لا يهمّني ما يقوله الناس أو العائلة عني، ما دمت على الطريق المستقيم، فلا أبالي يا أختي العزيزة.
الشخص الوحيد الذي كان يساندها هو أمّها، امرأة مؤمنة تقية، كانت تعاني من استخفاف زوجها بالإيمان. و حين علمت العمّة من أخيها بقرار هالة، زارت العائلة و تحدّثت بجدّية مع ابنة أخيها:
– الدراسة في الجامعة تمنحك فرصًا أكبر للحصول على عمل لاحقًا، يا عزيزتي هالة.
فأجابت الفتاة بأدب:
– لا أنوي العمل بعد الحصول على شهادتي الجامعية، إن شاء الله.
– كيف ذلك؟ و ماذا ستفعلين في البيت ؟ في زمننا، المرأة العصرية تدرس و تعمل، و تكسب استقلالها و تتحرّر، قالت العمّة بنبرة جادّة.
– مع الأسف يا عمّتي، لست امرأة عصرية! شهادتي تكفيني، و لديّ أشياء أخرى لأتعلّمها، مثل الخياطة و التطريز، و الاعتناء بوالديّ اللذين يتقدّمان في السن. أمّي بحاجة إليّ أكثر من أي وقت مضى، و العمل ليس ضرورة. ما يهمّني قبل كل شيء أن أكون ابنة صالحة و وفية لوالديها، كما يجب أن أتابع مسار نائلة الدراسي عن كثب، فهي ستجتاز امتحان البكالوريا بعد عامين.
بعد هذا التوضيح، اعتذرت هالة لتُحضّر القهوة و تقدّم الحلوى للزائرة. فنظرت العمّة إلى أمّ هالة و قالت:
– من الطبيعي أنك تشجّعينها على هذا الطريق غير المحسوب، يا زهرة.
و بهدوء أجابت الأم:
– لقد اختارت طريقًا يباركه الله و يرضاه، و هذا يكفيني.
– لا أفهم هذا الدين الذي يُنزل المرأة إلى مرتبة العبودية دون أدنى احترام لذكائها و مشاعرها، ردّت العمّة بانفعال.
عادت هالة تحمل صينية وضعتها أمام عمّة أبيها، ثم قالت:
– ردّ ربع ما قدّمه لي والداي منذ ولادتي ليس عبودية. و ديننا، الإسلام، قد كرّمنا حين صاننا داخل بيوتنا، و لا انحطاط أعظم لنا من أن نُدفَع إلى العمل لتأمين قوتنا ؛ فالرجال خُلقوا ليتكفّلوا بمعيشتنا.
فهمت العمّة أنها لن تؤثّر في ابنة أخيها كما أرادت، و في المساء، حين اتصلت بأخيها، قالت له:
– يؤسفني القول، لكن ابنتك الكبرى ضيّقة الأفق.
– أعلم ذلك جيّدًا، قال الأب متنهّدًا.
واصلت هالة دراستها عن بُعد، و اهتمّت بشؤون البيت، و كانت أمّها تعاني آلام التهاب المفاصل. و بعد أربع سنوات، نالت شهادة الليسانس في الأدب الفارسي، و سجّلت في الماجستير. كانت تعيش في سكينة، تبذر الخير، و تتابع دراسة أختها الصغرى، و تراقب أخاها الوحيد الذي كان يمرّ بمرحلة مراهقة صعبة.