
نحن في مفترق طرق خطير؛ فعصر ما بعد العولمة أعاد العالم إلى زمن الانغلاق و الانعزال، و لا سيما في حالة الولايات المتحدة الأمريكية التي تتآكل، يومًا بعد يوم، علاقاتها بحلفائها الأوروبيين*، في مقابل إصرار روسيا على ضمّ جزء من الأراضي الأوكرانية إلى روسيا الفيدرالية مجددًا. هذا، فضلًا عن غياب أي تحرك دولي جاد لصدّ العدوان على غزة، إذ إن الأوضاع الحالية في القطاع و الضفة الغربية لا تبشّر بالخير.
فحسابات الكبار لا تولي أهمية تُذكر لشعبٍ محتل، قيادته متورطة في التنسيق مع الاحتلال الصهيوني، و محيطه الجغرافي متساهل مع الكيان الغاصب، إن لم نقل متواطئًا معه.
و إذا ما درسنا أوضاع كل بلد على حدة في العالم العربي، فإن أول ما سننتبه إليه هو التراجع الحضاري و حالة الاستلاب الثقافي التي تعاني منها الشعوب. فلا تزال النخب العربية ترى خلاصها في غير الإسلام كدين و دولة، و كمنهاج حياة، و شريعة حاكمة، كما لا تزال النخب الحاكمة الفاسدة، عاجزة عن استيعاب دروس الانتفاضات الشعبية التي أطاحت ببعض الرؤوس، لكنها لم تُسقط الدولة العميقة.
و هذه الدولة العميقة تصادر حقوق الشعوب في النهوض، و لا تزال بعض الأنظمة تراهن على توفير حدٍّ أدنى من الاحتياجات المادية، علّها تُسكت التذمر و تتجنب الغضب الشعبي، غير أن مثل هذه السياسات المُسكّنة لا تحلّ الأزمات البنيوية العميقة التي تعيشها الأمة الإسلامية.
إن حجم الخلافات بين الدول العربية، و تعدد الصراعات من الساحل الإفريقي إلى السودان، و من القرن الإفريقي إلى اليمن، إضافة إلى أطماع بني صهيون في التوسع، بعد أن نسجوا خيوط شبكتهم العنكبوتية عبر مسارات التطبيع، كلها مؤشرات خطيرة. و إن لم تُؤخذ هذه الوقائع على محمل الجد، فإن النتائج ستكون وخيمة.
* اعتراف الاتحاد الأوروبي نفسه بتراجع الثقة الاستراتيجية مع واشنطن، خاصة بعد الحرب الأوكرانية، وفق وثائق European Council on Foreign Relations (2023–2024).